إنزل ...إنزل...
سمعت منادي...
علينا بينادي....
إنزل إنزل...
مش بنهبل...
جد الجد...
إوعى تهاب...
إنزل إنزل...
لجلي ولجلك...
لجل بلدنا ...
لجل ولادنا...
لجل حفيدي...
لجل نعيش بحلال...
..
بكرامة...
واستقلال...
إنزل إنزل...
حرام... لينا...ليه..
يِكفي العيال...
حرام لينا...
حلال ليهم...
إوعي تخاف...
عدِت
إنزل..إنزل
لجل الواد بتاع الطعمية...
لجل موظف غلبان..
لجل مدرس من بتوع زمان...
لجل دكتور واقف يضمض جرح الغلبان...
بصيت حوالية...
لقيت ولادي...
في عينيهم أسئلة...
لأبوهم الراجل...
رميت السلام...
على فين يا بابا...
عندي معاد...
سلسلة على هامش الترحال 14-تايلاند
(14)
مطار تايلاند واسع كبير كبراًً خرافياً، الانتظار طويل جدا أمام شبابيك الجوازات، الحر واضح رغم التكييف المركزي للمطار، التفتيش قوي، ولوحات تحذيرية في كل مكان تحذر من التجارة في المخدرات، منبهة للعقوبات المرتبطة بذلك.
خرج الوفد من المطار وركبنا تاكسيات في الطريق للفندق "برنس بالاس"، المدينة جميلة ومزدحمة في آن معا. وصلنا يوم الخميس، افتتاح المؤتمر يوم الجمعة صباحا، وأولى الجلسات السبت ثم إجازة الأحد ونبدأ مجددا الاثنين.
ذهبت إلى غرفتي، فسيحة جداً، وأطباق أناناس في كل مكان، وضعت حقائبي واتجهت للنوم فورا فبعد 18 ساعة طيراناً كنت بحاجة إلى راحة حقيقية.
بعد استيقاظي اتصل بي زميل من تشاد، وقال إنه ذاهب للبحث عن طعام، فاتفقنا على الذهاب معا، التقينا في استقبال الفندق، اسمه جان بيير، متزوج وله 4 أولاد، يعمل بفرع منظمتي ببلده، أخذنا نبحث عن طعام، المحلات كلها مغلقة، ركبنا تكتكاً وهو وسيلة المواصلات الرئيسية في البلد، وتوجهنا إلى مطعم في وسط البلد، سائقو تايلاند يقودون بجنون حتى تكاد تشعر بنفسك طائراً وليس راكبا.
عند نزولنا وجدنا سائق التكتك يتوجه للرجل الواقف على باب المطعم، ثم يناوله هذا الرجل مبلغا من المال، علمنا فيما بعد أن سائقي التكتك يتقاضون مبالغ مالية مقابل إرشاد السائحين إلى المطاعم. الطعام في تايلاند غريب الشكل وغريب الطعم، فهذا أرز بالمنجة، وهذا تورلي فواكه يؤكل مالحا، طلب كلانا أسماكا، ونحن نأكل قال مرافقي: "الحمد الله على الأقل طعام البحر حلال". فقلت له: "حلال...أظن لا مشكلة في قصة الحلال إلا عند المسلمين واليهود"، أجاب "صحيح...أنا مسلم"، "مسلم واسمك جان بيير!" ضحك وهو يقول: "هذه قصة طويلة...أرويها لك في الأيام القادمة".
علمت أن اسمه الأصلي جمال، كما قال: "على اسم ناصر زعيمكم...يعيش جمال في قلب كل تشادي"، كان والده من زعماء التحرير، ولد لأم فرنسية ولأب تشادي، تعلم الطب في فرنسا وانضم للمناضلين ضد الاحتلال ولم يكن زميلي قد ولد بعد، تزوج من تشادية من أسرة كبيرة مناضلة ضد المحتل، وبدأ نضاله الحقيقي عندها، كانوا زمرة من الأصدقاء جمعهم الهدف الواحد: إخراج المحتل من بلادهم، قمعهم الفرنسيون بكل الوسائل، ولكون والدة أبيه فرنسية فقد حصل أبوه على الجنسية الفرنسية فكان يتم استدعاؤه من قبل الفرنسيين باعتباره مواطناً فرنسياً يعمل ضد مصالح بلده، فما كان منه إلا أن تنازل عن جنسيته الفرنسية في سابقة تكاد تكون الأولى من نوعها في التاريخ الفرنسي.
سجن وظل في السجن سنين عديدة، ولد زميلي وأبوه حبيس السجن، خرج من السجن على شرط واحد اشترطه الاستعمار الفرنسي عليه، أن يغير اسمه وأسماء جميع أفراد أسرته إلى الفرنسية، طمس مقصود للهوية، تغيرت كل الوثائق الرسمية، وعرف زميلي نفسه في المنزل باسم جمال بينما خارجه عرف باسم جان بيير، وهكذا كان الوضع لجميع أفراد أسرته. قامت حكومة وطنية ولكن لم تتغير الأوراق، عين الأب في الحكومة وزيرا للصحة، قليلا ثم اختلف مع الحكومة، فما كان منهم إلا أن اعتقلوه، لا يذكر زميلي عن أبيه شيئا سوي تلك الليلة، أيقظه أبوه في منتصف الليل وحمله متوجها به لأمه، قال لها والدموع تغرق وجهها: "لا تخافي...أنا أترك لك هذا الرجل في المنزل ليحميك ويحمي إخوته..."، وقال لابنه وهو بعد لم يتجاوز عامه الخامس: "أنت رجل، ورجال أسرتنا يحملون المسؤولية مبكرا...تذكر جيدا أن اسمك جمال...وأنك ابن هذا البلد".
لم يشاهد زميلي أباه أبدا بعد ذلك، وهو في الخامسة عشرة أعلن الراديو المحلي بيانا من وزارة الداخلية يقول فيه: "مات اليوم في السجن الدكتور.......". لم يزد البيان حرفا عن هذه الكلمات، قال زميلي: "حتى هذه اللحظة وأنا ابن الخمسين لا نعرف قبره...تغيرت حكومات وتغيرت الدنيا ولكن البطش هو هو...طلبنا أكثر من مرة معرفة مكان قبرة ولم يستجب لنا".
تزوج زميلي مرتين، المرة الأولى زميلة له من الجامعة من أسرة تشادية عريقة، ذهبا معا لاستكمال دراستهما في فرنسا، أنجبا طفلين، بعد انتهاء الدراسة اعترضت زوجته على العودة لتشاد، مفضلة المكوث في فرنسا، رفض هو هذا، لم ينس أبدا كلمات أبيه، اقترح عليها أي مكان في إفريقيا، رفضت وأصرت، عاد وحده، وقال لي: "مازال الألم يتعصر قلبي كلما تذكرت والدي وكلما رأيتهم، ليسوا تشاديين، فرنسيون حتى النخاع، في هذا خذلت أبي". عاد لبلده وتزوج مرة أخرى وله أربعة أبناء من زوجته الحالية "واحدة أسمتها أمي مريم، والأخرى أسمتها أختي عائشة، والثالثه هي مليكتي اسمها فاطمة، والولد الوحيد لا يريد مني شيئا... في عالمه الخاص طوال الوقت".
سألته: "ولم تعمل أنت بالسياسة؟؟" قال: "حاولت فما كان من أمي إلا أن أتت بمصحف وحملتني على القسم أني لن أتعاطى السياسة أبدا حتى تموت هي.. قالت لي: "خسرت رجلي مرة ولن أخسره مرة أخرى طالما أنا على قيد الحياة".
أخذتنا أيام العمل، مؤتمر كبير به أكثر من 130 دولة، تعاقدت منظمتنا مع مركز الأمم المتحدة للمؤتمرات الواقع قرب القصر الملكي في ميدان كبير جدا. في الاستراحات كنا نأخذ تكتكا سريعا ونذهب لمطعم مصري دلنا عليه زميل كويتي من المشاركين في المؤتمر، يملك المطعم طيار متقاعد من طياري مصر للطيران استقر في بانكوك واتخذ المطعم نشاطا له، كان المطعم ملاذنا لطعام مألوف بدلا من المانجو المملح، وتورلي الفواكه.
تعرف تايلاند باسم "سيام"، كان هذا اسم البلد فيما مضى حتى عام 1949م، فتحولت إلى تايلاند، و"تاي" تعني الحر في اللغة التايلاندية، ولكن مازال بعض السكان يشيرون إلى البلاد باسم "سيام".
ترتبط الأصول التاريخية للبلاد، بتاريخ مملكة "سوكوتاي" التي تأسست عام 1238 م، حلت مملكة "أيوتايا" محلها منذ منتصف القرن الـ14 للميلاد، ووسعت من رقعتها لتشمل العديد من المناطق المجاورة. كان للثقافتين الصينية والهندية تأثير بالغ على البلاد. بدأ الأوروبيون يتوافدون منذ القرن الـ16 م، إلا أنه برغم الضغط الذي مارسه هؤلاء فقد بقيت تايلند البلد الوحيد في جنوب شرقي آسيا الذي لم تستول عليه القوى الأوروبية. في القرن الـ19 م وأمام التهديدات المتواصلة التي كان يشكلها الأوروبيون ومع بداية تغلغل الثقافة التي جلبوها معهم، تم الشروع في عملية الإصلاحات، كما قدمت بعض التنازلات لصالح القوات البريطانية، مما حدا بالبعض إلى إدراج تايلند في قائمة مستعمرات التاج البريطاني، رغم أن سيطرة هؤلاء كانت محدودة.
اندلعت ثورة دموية عام 1932 م أدت إلى قيام ملكية دستورية. كانت البلاد تعرف باسم "سيام"، ثم غيرت اسمها إلى تايلند مرة أولى سنة 1939 م، ثم مرة ثانية منذ عام1949 م، بعد أن كانت قد عادت إلى اسمها القديم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. عقدت البلاد تحالفاً هشا مع اليابان أثناء الحرب، إلا أنها سرعان ما أعادت حساباتها وأصبحت حليفا قويا للحلفاء، عرفت تايلند أثناء تاريخها المعاصر عددا من الانقلابات العسكرية، ثم أخذت منذ الثمانينيات تتقدم بخطاً ثابتة نحو ترسيخ المؤسسات الديمقراطية.
قبل سفرنا إلى تايلاند أرسلت لنا تحذيرات مكتوبة من منظمي المؤتمر من تجارة الجنس ومن التجول ليلا بلا صحبة آمنة، وبالفعل تغلق المدينة أبوابها مبكرا ويغمر المدينة صمت وظلام مهيب.
الحياة التجارية في تايلاند مزدهرة جدا ، في كل مكان تجد أسواقا تجارية بعضها حديث للغايه به كل الماركات العالمية والأسعار خرافية، والبعض الآخر شعبي ولكن أيضا به جميع الماركات العالمية المقلدة تقليدا دقيقا لا تدركه إلا عين خبير وتباع بأسعار في متناول الجميع، تجد في الأسواق الشعبية كل شيء من الإبرة حتى الصاروخ، المشغولات الشعبية واللوحات الفنية، عنصر أساسي في فنونهم الفيل، ذكرني بكتاب "حيوانات أيامنا" للمخزنجي الذي تحول فيه رجل إلى فيل في نهاية رحلة بالغابات. ويعد الفيل رمزا وطنيا لتايلاند.
لم أتمكن من زيارة أي مزار سياحي إلا "بوذا" النائم في معبد "وات فو" وهو من الذهب الخالص، يؤمن البوذيون بحياة "بوذا" في شكل تماثيله، فيضعون له وجبات الطعام ثلاث مرات كالبشر العاديين في أوعية خاصة مذهبة، حول الفندق وجدت كما هائلا من التماثيل يقدم لها الطعام بهذا الشكل.
انتهت أيام المؤتمر بسرعة وحان وقت العودة للديار، ودعت زميلي التشادي ودعوته لزيارتنا في القاهرة هو وأسرته.
منذ تركت تايلاند لا تفارقني ذكرى صبي في الخامسة يستيقظ فزعا ليودع أباه وينظر إليه لا يدري متى يراه مرة أخرى...ولا ما يخبأ لهم بالليل، حفظ الله والدي وزوجي وولدي وجنبهم أهوال السلطان.
سلسلة على هامش الترحال -12 برمنجهام
(12)
تغيرت دنيا المسلمين جذريا بعد 11 سبتمبر، أدركت سلمى هذا عندما نزلت عليها إجابة المضيفة المسؤولة عن استراحة درجة الأعمال في مطار زيورخ كالدش البارد عندما سألتها عن موعد الطائرة حيث قالت: " لو لم تكوني مرتدية هذا الشيء على رأسك لتمكنت من سماعي عندما قلتها أول مرة". لم تدر سلمى ما تفعل، لم يكن بيدها سوى التهديد برفع شكوى ضد شركة الطيران من المعاملة غير المسؤولة التي تلقتها، لم تعتذر الموظفة وإنما اعتذرت زميلتها.
طبعا طالت مدد التفتيش عن أي سفر سابق، طلب إليها خلع الحذاء وغيره في نقاط التفتيش المتعددة في المطار، سألوها أسئلة عجيبة، تم التحقق من جواز سفرها أكثر من مرة.
في الطائرة وهي في الطريق إلى مدينة برمنجهام حيث المؤتمر الذي دعيت إليه، مالت بالكرسي إلى الخلف لتجد فجأة من يقرصها في يدها، فزعت ونظرت إلى الخلف فإذا بامرأة في العقد الرابع من العمر تقول لها بلهجة آمرة: "إرجعي بكرسيك إلى الأمام"، ردت سلمى: " هناك طريقة ألطف لطلب ذلك"، فكررت المرأة كلامها بذات اللهجة الآمرة المتعالية، فلم يكن من سلمى سوى أن أدارت وجهها ولم تلق بالاً للسيدة، فإذا بالسيدة تظل تدفع الكرسي بيدها وقدمها من الخلف وتدفع بسن قلم في يدها في رأس سلمي بينما تكيل لها اللعنات، المسلمة، الساقطة، الملاعين المسلمون يظنون أنهم يملكون الدنيا، عليك اللعنة يا ساقطة. ولم تكن سلمى ترد وإن قطعت هذه الوصلات التي استمرت طوال الساعة هي مدة الرحلة من فرانكفورت إلى برمنجهام بقولها للمرأة: "ياله من سلوك متحضر!"، وتارة: "أهنئك على سلوكك" أو: "فعلا أوروبا أم التحضر". العجيب أن أحدا من الجالسين حولهم لم يحرك ساكنا بما في ذلك المضيفون.
بدت سلمى قوية وصامدة أمام تلك المرأة المختلة، ولكن ما إن وطئت قدمها أرض المطار حتى توجهت إلى دورة المياه وانفجرت هناك في البكاء وقد اعتملت بداخلها أفكار ومشاعر عدة، لهم حق، نحن، المسلمين، هددناهم وقتلنا أولادهم بلا حق، ولكن ألم يغزُ هؤلاء بلادنا في حملة استعمارية شرسة؟ ألم يستغلونا ويستغلوا خيرات بلادنا منذ الأزل، اليوم في جريدة الشرق الأوسط خبر عن خطة أفشلها البوليس الألماني لتفجير مطار فرانكفورت متورط فيها مسلمون ألمان، ما ذنبي أنا في صراعات الحضارات هذه، أنا أحترم اختياراتهم ولا يهمني مظهرهم، لماذا يستفزهم كل هذا الاستفزاز خياري بوضع الإيشارب على رأسي؟ هل لو تخلصت منه ستكون الأمور أهدأ في الحل والترحال؟؟ وهل أستطيع ذلك بعد سنوات طوال؟ هل يردني هؤلاء وضغطهم عن ديني؟ ربي أشكو لك شكوى نبيك، اللهم إني أشكو لك همي وضعفي وهواني على الناس.
لامها أبوها فيما بعد وقال: "كان لابد من عمل شكوى رسمية وإبلاغ المضيفة رسمياً، لا يكفي أنهم يرون ولا يتصرفون كان عليك دفعهم دفعا للتصرف، إنت فاكرة نفسك في جليم لسه، كل الناس في الشارع والمحلات بتساعد وتصبح، دي الغابة يا بنتي".
لم تفارقها طوال أيام المؤتمر والجلسات المختلفة ذكرى ذلك المعسكر الذي ذهبت إليه وأختها في إيطاليا، إبان دراستهما الجامعية في نهاية التسعينات حيث عملتا مع أطفال الملاجئ في معسكر صيفي لمدة شهر. كانت الدهشة من وجودهما في هذا المعسكر تشمل كل من فيه، عربيتان مسلمتان محجبتان ترتديان الجينز وتساعدان الأطفال في حمل جراكن الماء الثقيلة بينما يعزف الكبار عن المساعدة حيث لابد للأطفال من الاعتماد على النفس، فلسفة لم تفهماها إلى أن طلب إليهما مدير المعسكر عدم مساعدة الأطفال لأن هذا المعسكر هدفه تدريب الأطفال على الاعتماد على الذات.
لم يكلمهما لمدة أسبوع أي شخص كبير في المعسكر، وإن انبهر بهما الأطفال، أوليت لهما مسؤولية خيمة الفنون الجميلة في المعسكر، فكان الأطفال يهربون من السباحة ومن الأنشطة الرياضية ويأتون للخيمة للتمتع بالصلصال والألوان المائية وغير ذلك من الأنشطة التي تشترك الأختان فيها. كانتا غريبتين لأول مرة، وحيدتين، لا يجدان حتى من يسلم عليهما أومن يحدثهما، الصمت أحاطهما، فما كان من كبراهما إلا أن ذهبت لمدير المعسكر وقالت له: " لم نكن لنأتي للمعسكر لو كنا نعلم أن هذا هو السلوك الذي سيقابلنا، نحن هنا لنستمتع بالتجربة الإنسانية بالتفاعل مع القادمين من بلاد مختلفة، وليس لنستمتع بالسباحة في البحيرة و حمامات الشمس، ما الذي يحدث؟؟ لماذا لا يكلمنا أحد؟؟". كان الرجل لطيفا ولكن لم يكن يملك إجابة كل ما قالته، قال: "أعدك أن الوضع سيتحسن". وبالفعل تحسن الوضع، أصبح يكلمهما فقط اثنان من قاطني المعسكر من أصل فيتنامي، ولكن عرفت الأختان سبب هذا الصمت العدائي عندما كانت إحداهما ذات يوم واقفة في طابور الطعام فقام مدرب السباحة بسؤالها: "لماذا تكلمان هذين الفيتناميين؟؟ ألا تريان أنهما شكل الخنازير؟!" ، وانفجر ضاحكا، ما يسرى على الآسيويين أكيد، ومن باب أولى يسري عليها وعلى أختها.
استغرق الأختان عملهما في الخيمة، صارتا لا تقطعان العمل فيها على عكس جميع الأنشطة الأخرى في المعسكر التي تغلق أبوابها ساعة بعد الغداء كل يوم، فصارت الخيمة ملاذا للأطفال في كل وقت، وأقيمت فيها الحفلات والمسابقات والمعارض، وأصبح الأطفال وسيلة تواصل الفتاتين مع بقية المعسكر، حين يأتي الصباح يتقافز الأطفال حول غرفتهما رافضين تناول الإفطار إلا معهما، أو رافضين لعب الكرة إلا إذا كانت الفتاتان من بين الحضور للتشجيع، وعندما يحرز أحدهم هدفا يجري محتضنا إحداهما، سلوك الأطفال المرحب هذا لفت أنظار بعض الكبار، وصار هناك تواصل محدود بين الفتاتين وعدد قليل من الكبار. مع انتهاء المعسكر وعودة كل إلى دياره عادت الأختان بسؤال واحد لم تعرفا له إجابة إلى الآن...لماذا؟؟
إن تنس فلن تنسى ذلك الزميل الذي كانت تنسق معه عقد مؤتمر دولي، وكان بينهما الكثير من المكالمات، كانا في غاية الود والاحترام والتعاون، ولم يسألها ولو مرة في أية مكالمة من أين أنت أصلا، فمقر عملها بفرانكفورت تختلط فيه الجنسيات والأعراق. حتى كان يوم المؤتمر وأخذت تبحث عنه لتحييه، سألت عنه فأشار له أحدهم، تقدمت لتحييه فإذا به ينظر إليها بدهشة لم يستطع كتمانها ويقول لها في عجب: "دكتورة سلمى..."، "أيوه أنا هي"، "أنت الدكتورة سلمي"، "نعم..."، "سعيد بلقائك" ولم يوجه لها كلمة بعدها أبدا، وكأنما دق بينهما عطر منشم، وأصبح يتحاشى حتى الوجود معها في أي مكان. عندما روت لزوجها هذه الواقعة قال: "عنصري ابن كلب". ولكن هذه إجابة لم تكن شافية بالنسبة لها، لماذا يتحزب البشر؟؟لماذا ننحاز بلا بصيرة لعرق ولون أوضد زي أو دين؟؟
مضت جلسات المؤتمر بحلوها ومرها، خرج الوفد في جولة في مدينة برمنجهام لرؤية القناة الشهيرة بها ، وهي شيء أشبه بالترع المصرية وإن كان الإنجليز قد صنعوا منها مزارا ومركزا ترفيهيا ببناء نوافير حولها وإنشاء العديد من المطاعم ومد شبكة من الطرق الصغيرة المتعددة التي يحلو للمرء السير فيها. تناول الوفد طعام الغداء على حدود برمنجهام في مطعم بسيط بمنتزه يعتبر قانونا محمية طبيعية مركبة بها مناظير في كل مكان لهواة مراقبة الطيور، وفي كل المنتزه علقت لوحات تنبه إلى محاولة تجنب السير على الحشائش أو دهس الأشجار الصغيرة لقيمتها الكبيرة للمحمية.
أشار مرشدهم في طريق العودة إلى مبنى كبير وقال لهم إن اسمة حلقة الثور "بول رنج"، وهو مركز تجاري كبير جدا نشأ على بقايا سوق قديم وكان في الأصل المركز الأساسي لبيع الثيران في وسط إنجلترا. برمنجهام بلد صناعي يتسم بالجدية لهذا السبب، قال لها المرشد وهو يشير إلى منطقة في شارع "كوفنتري روود": "تسمى هذه المنطقة بسمول هيث حيث يسكن أغلبية المسلمين المقيمين في برمنجام ، وهذا الجامع يصلي فيه المسلمون بكل اللغات في الأعياد والمناسبات الرسمية".
وهي في صالة الانتظار في المطار بعد انتهاء المؤتمر، ضمت كفيها معا، ونظرت لهما مليا، وأخذتها الذكرى البعيدة لملعب كرة القدم في المعسكر الإيطالي، لاحت صورة باهتة لفتاة صغيرة جالسة باستكانة في حضنها وهي ممسكة بإحدى كفي سلمى تدعكه بقوة سألتها سلمى: "ما الذي تفعلين روزان؟؟"، "لماذا لا تستحمين سلمى؟؟"، "من قال هذا أنا أستحم دوما"، " لا لو كنت تستحمين لتغير لون بشرتك القذر هذا!!" نظرت سلمى للصغيرة روزان الإفريقية السمرة، ربيبة البيت الأوروبي الأبيض... وصمتت.
سلسلة على هامش الترحال 11- الأختين
(11)
رحلة طويلة ومرهقة، أتت من باكستان حيث تقيم وتعمل في الجامعة الإسلامية إلى لندن، استبدال طائرات في دبي مع انتظار سبع ساعات للحاق بالطائرة الأخرى، آخر ما كانت تتمناه هو هذه الرحلة بعد انتقالها من منزل لآخر مع كل ما رافق ذلك من مجهود وتغييرات، ولكن تأتـي الرياح بما لا تشتهي السفن.
نسيت كل التعب وهي تضم أختها بين أحضانها في المستشفى ، ولدت أختها ولادة مبكرة لارتفاع مفاجئ في ضغط الدم وأتت سلمى لتمضي معها عدة أيام.
بعد الأحضان وتبادل القبلات أخذتها أختها لرؤية المولود، غير مسموح للأخت بالتحرك إلا على كرسي متحرك لعدم استقرار الحالة بعد، ذهبتا إلى غرفة الأطفال المبتسرين، فإذا بكائن صغير لا يتجاوز وزنه 600 غرام مسجى في الحضانة، مدت أختها يدها إلى داخل الحضانة وأخذت تلاعبه وهو كالقطط حديثة الولادة، مغمض العينين ويتحرك في المجهول، وإن بدا مطمئن البال. قالت أختها إن الأطباء طلبوا إليها أن تحدثه أو تغني له ما اعتادت أن تفعله لإخوته وهي حامل به، حيث إن الطفل في بطن أمه يألف الأصوات التي يسمعها خاصة صوتها هي، " ولما كنت لا أحفظ أي أغان، ولا أذكر من قصص أبيك لنا قبل النوم سوى أسماء مبهمة ، الجنينة المسحورة، السحلية نملية، القط مشمش، البلية حنتوسة، فقد قررت أن أقرأ له القرآن، وهو ما أفعله عادة مع الأولاد قبل النوم، ويظن الجميع هنا أني أقرأ قصة بس كبيرة شوية" ضحكتا.
نأت الأختان عن بعضهما منذ زمن بعد... بعد اجتماعهما معا في منزل أبيهما صغيرتين، ثم شابتين، ثم امرأتين كل في بيت زوجها. نشأتا لأب صعيدي، في مجتمع محافظ في صعيد مصر، ترمل الأب عليهما وهما بعد جد صغيرتان، لم يتزوج مرة أخرى حتى ألحتا عليه وكل منهما متجهة إلى ركن من أركان الدنيا لإكمال دراستها. جاهد الأب الذي يعمل بالطب لتربيتهما بصورة رفضها كل من أقارب أمهما رحمها الله وأقارب الأب أيضا، كان مثقفا، متجاوزﴽ لموقف أهل الصعيد التقليدي من النساء، يتحدث ثلاث لغات، ورث كثيرا من الأرض الزراعية، وذا هيبة في بلده ووسط أهله، فلم يجرؤ أحد على الاعتراض على طريقته في تربيتهما، وكانت التعليقات لا تقال إلا أمام البنتين في غياب الأب.
فرق بينهما ما كان يجب أن يقربهما أكثر من أي شيء آخر، استقلالهما وقوتهما اللتان منحهما لهما أبوهما، نشأتا مستقلتين قويتين، لم يكسرهما أخ ولا أب، فلا أخ لهما وأضافت قوة أبيهما وهيبته في الأسرة لهما قوة، كان الأب صارما شديدا فيما يمس استقلال البنات أو فيما يتعلق بتقليص تجاربهما بكل أخطائها، كان شرطه الوحيد ألا يكتما عنه من أمرهما شيئاﹰ "علشان اللي ما لوش كبير يشتريله كبير" و"علشان إحنا أمة حياتها في السر والعلن مبنية على الشورى والتشاور".
في خضم الحياة بكل ما فيها، في ظل اختلافهما عمن حولهما من البنات والأقارب، ومع عزوف الآخرين عنهما لاختلافهما، فهذه الخالة لا تود لبناتها الاختلاط بمن يقرأ إحسان عبد القدوس في إعدادي، وهذا العم يرفض أن تذهب ابنته وحدها عند بنتي أخيه اللتين يقرآن لنجيب محفوظ كاتب رواية "أولاد حارتنا" التي منعها الأزهر، رفضت أسرتهما أن يكون لهما برنامج قراءة صيفي تنشغلان به عن الأسرة، أو أن يعملا في الصيف بترتيب من أبيهما مما يمنعهما عن المناسبات العائلية في عائلة يلتحم أفرادها بقوة. لم تفهم البنتان سر هذه العزلة الاجتماعية المفروضة عليهما، تألمتا من وحدتهما واختلافهما، عز على كل منهما أن تبوح للأخرى بألمها، عز على كل واحدة منهما أن تلتمس عوناﹰ لدى الأخرى فما كان منهما إلا أن بنيتا مساحة صامتة، لا تتحدثان عما يحدث، وتتظاهران بعدم سماع الآخرين وتعليقاتهم، ولا تلتقيان بالا لجارهما التاجر الكبير إذا ما التقاهما صدفة يضرب كفا بكف وهو يقول: "يا ولداه مين فيكي يا مصر هيجوز الرجاله دي". وبالفعل تزوجت كبراهما من باكستاني كان يدرس معها في جامعة ليدز الإنجليزية، وتزوجت الصغرى من إنجليزي مسلم يدرس الاقتصاد في كلية لندن للدراسات الاقتصادية.
ألم الرفض والعزلة واتهامهما الدائم بالمرجلة والقوة الزائدة سكن نفسيهما، لم تكونا لتسمحا لنفسيهما برؤية ما بداخلهما، وخشيتا أيما خشية إذا ما اقتربتا من بعضهما أن ترى كل منهما ما يعتمل بصدر أختها، دفعهما ذلك بعيدا عن بعضهما ، كل منهما تعالج هذا الكم الهائل من المشاعر وحدها، يعز عليها البكاء أمام الأخرى، أو التعبير عما تشعر به، الرفض غير المبرر من الآخرين لاستقلاليتهما ولوجودهما قادهما لرفض كل منهما الأخرى وكأن كلاﹰ منهما كانت سببا لما تعانيه أختها، لم تكن كل إحداهما بقادرة على حماية الأخرى من الآخرين أو حتى من نفسها فهكذا نشأتا ولا يد لهما فيما يراه الآخرون، رفضتا نفسيهما كل واحدة في صورة أختها، وزادتهما محن الحياة بعدا عن بعضهما.
الآن إذا نظرت سلمى إلى أختها المسجاة في الفراش شعرت كم كانت رحلتها هذه ضرورية، فبعد سنوات لا عدد لها من البعد، لا تجمعهما سوى شكليات الحياة ولا يفتحان قلبيهما لبعضهما، وتمر كل منهما بالمحنة فلا تعلم الأخرى عنها شيئا سوى من أبيهما، كان ضرورياﹰ بعد كل هذا أن تنصهرا في تجربة نسائية حميمية تصهر كل الألم الذي خلفه كل ما فات، تجربة نسائية تضعهما أمام السبب الرئيسي لبعدهما عن بعضهما، أنوثتهما، وما أكثر حميمية من أم تحمل وتضع مبكرا وتعذبها مشاعر أمومتها قلقا على رضيعها. فتحت أختها عينيها وقالت لها: " شكرا إنك جيتي"، ردت سلمى وقد تجمعت الدموع في عينيها: "لم أكن لأسامح نفسي إن لم أفعل".
أطفال أختها كالأقمار المنيرة، تفتح وإقبال على الحياة، قوة وشجاعة لم تكسرها الدنيا بعد ، مرتها الأولى التي تقترب فيها منهم، جاء الصغار لزيارة أمهم في المستشفى، عندها تحدثت أختها معهم بالإنجليزية، سألتها سلمى: "لم لا تحدثينهم بالعربية؟؟"، قالت أختها: "كنت أفعل هذا حتى دخل الكبير المدرسة وصار لسانه يميل إلى الإنجليزية، وعزف عن الكلام معي ظنا منه أني لا أتحدث اللغة، حتى فوجئ بي أتحدث في أحد المحلات بالإنجليزية فسألني منبهرا ماما انتي بتفهمي الكلام ده، وصار لا يتوقف عن الحديث، فظننت أنه من الأفضل أن أظل أتحدث معه الإنجليزية مما يقوي صلتي به، وكلي أمل أن تتسلل العربية بحكم كل العوامل الأخرى"، صراعات الغربة لا حدود لها ولا تنتهي أبدا، كلما ظن الإنسان أنه تجاوزها ظهرت له أخرى.
كانت زيارة رائعة، اشتركت سلمى وأختها في كثير من الأحاديث، أتيتا بالماضي السحيق وسحقتاه معا، زارتا الصغير معا في الحضانة وبرؤيته هكذا صغيرا ضعيفا مقاوما، صغر كل ما كان بينهما أمام هذه الحياة، أمام معجزة ميلاد في الشهر السادس.
في المنزل بعد ساعات المستشفى، لعبت سلمى مع أطفال أختها، طبخت معهما، حكت لهما حواديت قبل النوم عن أسرة كنج كونج وكونجيجي الصغير وكونجاية، وهي أسرة الحيوانات التي تحكي لولدها عنها قبل النوم.
اليوم الأخير في زيارتها، أمضت بعض الوقت مع أختها في المستشفى، زارت الصغير في الحضانة، حضرت بعض الطعام للأسرة ليكفي الأولاد وزوج أختها في الفترة القادمة، وفي المساء حكت للأولاد حكايتهم قبل النوم ثم وهي تقبلهم قالت لها الصغيرة: "إنت بتبوسيني كتير..."، "مش عايزاني أبوسك؟"، "أيوه أنا بكره البوس...علشان ده حاجه ياكي" ضحكت واحتضنتها وقالت لها: "حاضر هبطل أبوسك خالص"، فسأل الصغير: "وهتبطلي تبوسيني أنا كمان؟؟"، فقالت له: "حسب إنت عايز إيه"، "فقال لها: "أنا عايزك تفضلي تبوسيني"، قبلته وهي تقول تصبحوا على خير"، سألها ابن أختها: "إنت مسافرة لأولادك؟؟" فقالت له: " أيوه"، "طب هشوفك تاني يا خالتو"، اعتصر السؤال قلبها وهي تقول: "طبعا افتكر دايما كونجيجي وانت هتشفني في قلبك لحد ما أشوفك تاني".
ذهبت لتودع أختها، وهما تحضنان بعضهما، انفجرت صغراهما بالبكاء وهي تقول: "بعدما وجدتك تذهبين مرة أخرى"، " لن أذهب أبدا، ما فرقنا في الماضي يجمعنا الآن...أنا بعيدة فقط بعد الهاتف منك..." تركت سلمى أختها وذهبت، وهي في الطريق تذكرت ورقة كتبتها لها أختها يوم ذهبت لأول معسكر صيفي في حياتها " تمنياتي لك بوقت ظريف.. وسعيد... عساك لا تنسين أبدا أختك التي تزاحمك غرفتك..." ومهرتها بتوقيع "عدوتك الظريفة" كان هذا منذ ما يزيد عن خمس وعشرين سنة.
سلسلة على هامش الترحال -8 باكستان
(8)
"كان من المستحيل أن لا تستقل باكستان، لو لم تستقل لظللنا أقلية بلا مستقبل في الهند التي لا يعرف عنها الغرب والعالم سوى أنها بلد غاندي" قالت محدثتي الطبيبة بينما نجلس في المقعد الخلفي لسيارتها ويقود سائقها في محاولة للوصول لقمة الجبل الذي يتوسط إسلام أباد. ترجلنا من السيارة وقررنا أن نواصل السير في الدروب العرجة التي تغطي الجبل الصغير. قالت لي إنها زيارتها الأولى للجبل خلال السنوات العشر الأخيرة.
في ترحالى أقابل الكثير من النساء، والرجال، يتحدث الرجال في العمل والدين والسياسة والحالة الاقتصادية، بينما تتحدث النساء العاملات عن حالتهن الاجتماعية وعلاقاتهن بأزواجهن، أما المتزوجات من غير العاملات فعادة ما ينظرن إلي بعجب إن لم يكن برفض وفي غالب الأحوال يسألنني إذا ما كنت أما، وعندما تأتيهن الإجابة سلبا يبتسمن في زهو ويقلن: " طبعا مع كثرة العمل والسفر لن تجدي وقتا لمثل هذه المهام، كان الله في عون زوجك". اليافعات المتعلمات عادة ما يسألن عن عملي وهل تزوجت زواجا تقليديا أم عن قصة حب؟ وإن كان في رحلاتي ما يبعث على الأمل فهو حديث هذه الفئة الطموحة المتحمسة التي لم تكسر قسوة الحياه همتها ولم تقيدها أغلال زيجات غير متكافئة أو غير متماسكة.
رفيقة رحلتي هذه المرة طبيبة في أواخر الثلاثينات، تنحدر من عائلة تعلم نساؤها حتى قبل استقلال باكستان، فجداتها لأبويها متعلمات وكانتا تمتهنان التدريس حتى قبل زواجهما، "وهو الأمر الغريب في باكستان بأسرها" كما قالت، "ولهذا تجدين مولد فتاة في عائلتي يحظى بفرحة كبيرة، بينما مولد الذكر يمر مرور الكرام". " سمتني أمي بهيجة قالت إنها كانت مبتهجة طوال فترة حملها لذا سمتني بهيجة، وذبحت لمولدي نعجتين كما يذبح لعقيقة الصبي". "المشكلة الكبري هنا في باكستان أن الحياة تتطور ولكن لا يتطور الجميع معها، عندما تخرجت من كلية الطب عينت لقضاء فترة الخدمة الإجبارية هنا في اسلام أباد... عندها التقيت زوجي...كان متعلما أبوه رأس أكبر معهد للسرطان في باكستان...وظل طبيبا عالميا لأمد طويل قبل أن يعتزل العمل منذ سنوات قليلة..أخواته كن متعلمات أيضا وبعضهن يعمل، أما أمه فكانت غير متعلمة حتى إنها لا تقرأ"، "رأيته مناسبا جدا...من أسرة متعلمة كأسرتي، وتصورت أن السعادة تتمثل في ارتباطي به"، "حكيت لأمي في الهاتف، فقالت عليه أن يأتي لرؤيتي وأبيك قبل أي ارتباط رسمي".
بعد الزيارة قالت أمي: "لن تكوني سعيدة معه يا بنتي، إنهم متعلمون من الخارج أما في الداخل فهم قوم تقليديون حتى النخاع". كنا قد وصلنا إلى قمة الجبل وتقطعت أنفاسي من السير، فرجوتها أن نجلس وأنا أشعر بها كمن يلقي همه وسره لدى غريب يعرف أنه لن يلتقيه مرة أخرى وإن كانت الرغبة في المشاركة والحديث وربما التعاطف تدفعها دفعا لإكمال قصتها.
أكملت بعد جلستنا كلامها: "تفكرت في حديث أمي ورأيت فيه جانبا من الصواب خاصة أنه لم يذكر أهله إطلاقا في أي حديث عن ارتباطنا"، قلت لها: "أتعلمين أنها قصة مكررة في كل بلد...في كل مجتمع؟...يختفي الأهل من الصورة فيعلم أن وراء الأمر ما وراءه"، قالت: "لقد سألته صراحة فأنكر أن يكون هناك أي اعتراض من جانبهم، وبعد زواجنا علمت من أمه التي لم ترني من قبل أنها وافقت بعد أن هددها ابنها بعدم الزواج مطلقا"، " آه لقد كانت أمك محقة إذا؟؟"، "نعم ..وحدث كل ما توقعته بعد زواجنا " ...لفنا الصمت ونحن نحاول عبور انحناءة صغيرة في الممر الجبلي الذي نسيرفيه ثم واصلت الحديث: "هنا في باكستان توجد تقاليد راسخة بين الأسر، فزوجة الابن عليها أن تقوم على خدمة أهل الابن مهما كانت مسؤولياتها الأخرى، وهي إن لم تفعل ذلك اعتبرت زوجة غير مطيعة، وغير صالحة، وجرى الهمز واللمز عليها في المحيط العائلي كله".
"تزوجنا وقد بدأت في دراسة الماجستير، أما هو فاكتفى بالقدر الأساسي من تعلم الطب وانتقل للممارسة، كنت أستيقظ في الخامسة، أعد الطعام لي ولأولادي ولأمه وأبيه وأي ضيوف آخرين، ثم أقوم بغسل الملابس للمنزل بأسره، وآخذ صغيرى وأقود بالسيارة لمدة 150 كيلومترا لأذهب لأمي تاركة الصغير عندها، ثم أقود أكثر من هذه المسافة لأذهب إلى كليتي، أنهي يومي الدراسي في حوالي الخامسة وأعود إلى المنزل لتحضير الطعام وكي الملابس والاستمرار في الخدمة حتي ينام الجميع، عندها أدرس لمدة ثلاث ساعات ثم أنام وأنا لا أري أمامي...وهكذا يوميا...ومع ذلك عند عودتي في المساء إلى المنزل لا أرحم من الغمز واللمز "، سألت مدهشة: "وأين كان زوجك من كل هذا؟...هو اختار أن يتزوجك وهو عالم بطموحك العلمي وطبيعة أسرتك المثقفة؟ ألم يكن له أي دور في مساعدتك؟؟"، قالت: "على العكس تماما..لقد اندمج في حياته الخاصة وأصبح يقضي الليالي في صحبة أصدقائه ثم يعود إلي منهك القوى غير قادر على الاستماع لي...واستمرت الحياة على هذا المنوال حتي تحولت إلى آلة لا تتكلم، تسمع فقط، تقوم بكل واجباتها دون توقع شيء بالمرة ودون إنجاز علمي يذكر حتى إنني قدمت لإجازة من الدراسة لمدة عام...مع سعادة غامرة من أهل زوجي بما وصلت إليه خاصة من أمه وإن لم يتوقف التقريع طوال الوقت"، قلت لها: " كثيرا ما تفكرت في محاربة النساء للنساء، وأذكر أن مسلسلا أمريكيا كانت فيه ضابطة في الشرطة تحقق مع ضابطة أقل رتبة وعاملتها بعنف شديد في وجود محقق آخر، ثم انتهى التحقيق لصالح الضابطة الصغيرة...وعند الانتهاء من التحقيق التقيتا، فتساءلت الضابطة الصغيرة عن سر قسوتها في التحقيق معها، فقالت لها لا تتوقعي كوني امرأة أن أساندك، عليك أن تشقي طريقك بقوة في هذا العالم و لا تركني أو تتوقعي أي مساندة من أحد، هكذا تعلمنا نحن ويجب أن تمررن أنتن بذات الظروف"، وأضفت: "أتعلمين؟ كثيرا ما تأملت هذا الحوار القصير مع مشاهدات كثيرة في الحياة...تجدين أن كثيرا من النساء لا يردن للمرأة الأخرى خيرا حتى وإن كانت ابنة ظروف أفضل...بل يردن لها أن تمر بذات المحن...فتجدين الأم تقول عن الإبنة التي تبحث عن الحب في الزواج...(ده كلام فارغ ما كلنا اتجوزنا من غير حب)، وتجدين الحماة تقول عن زوجة ابنتها التي تعاني من آلام الحمل (ما كلنا حملنا وخلفنا... بلا دلع ماسخ)، وتجدين الأم التي عانت من العملية الشنيعة التي تسمى الختان هي التي تدفع بابنتها في ذات الطريق... والاستثناءات طبعا موجودة، والحقيقة لا أدري لهذا الموقف تفسيرا...طبعا أم زوجك من هذا الصنف من النساء ...هي غير متعلمة وأرادت لابنها زوجة غير متعلمة أيضا...فلا أحد أفضل من أحد...أما زوجة متعلمة لها طموح وقدرة على إدارة الحياة فهذا الكابوس بعينه لأم زوجك...فمعنى هذا وجود من هو أفضل منها بل ما يثبت أنها لم تكن المرأة الكاملة لزوجها المتعلم مدير أكبر مركز لعلاج السرطان في باكستان"، ردت قائلة: "كان لأمي ذات الرأي عندما وجدت إصراري على الزواج، أذكر كلماتها جيدا: "إن أمه لا تعمل ولم تتعلم، ويتوقع منك الحياة معهم، إن مثل هذه المرأة لن تقدر طموحك بل لن تكتفي بعدم دعمك وإنما ستقوم على عرقلتك، هناك نوع من النساء لا يردن لبنات جنسهن خيرً لم يطلهن، كبعض الأمهات اللاتي لم يتزوجن عن عاطفة صادقة، تجدينهن يضنن على بناتهن بزيجات أساسها العاطفة".
التقانا أحد المصورين المحترفين وألح أن يصورنا وخلفنا مسجد الملك فيصل الأبيض الشهير بباكستان، أشرت له مبتسمة إلى الكاميرا التي أحملها، حيث جرت عادتي أن آخذ صورة واحدة لكل بلد أزوره، فاستدار مبتعدا وقد خاب أمله، كنا قد تعبنا من السير فقررنا أن نشرب شيئاً في الكافيتريا المتواضعه على قمة الجبل. سألتها بعد أن جلسنا:" وكيف انتهى بك الأمر طبيبة كبيرة في أحد المراكز الطبية في باكستان؟؟"، قالت: "عادت أخت لي من الخارج حيث تدرس وزوجها، ولما رأتني صدمت من التغير الحاصل لي، وأصرت على أمي أن تأخذني لبيت الأسرة لأرتاح قليلا وليعتنوا بي هناك، مع الإصرار على زوجي أن يكون لنا منزل مستقل كما يليق بأطباء متعلمين لهم وضعهم الاجتماعي المتميز. تركت أولادي وقلبي يكاد ينفطر وذهبت لمنزل أمي... عدت لزوجي وبيتي بعد ثلاثة أعوام، رتبت أختي لي السفر لعمل الماجستير، ذهبت بعد خلافات كثيرة مع أهل زوجي، أخذت أمي الأطفال، لم يزرهم أبوهم يوما خلال السنوات الثلاث ، ولكن عندما عدت بشهادتي ألح علي لنعود أسرة واحدة، وقد كان، ولكن بشروط الاستقلالية في الحياة هذه المرة".
وصلنا للقمة حيث يقف الكثير من الناس يطلون على المدينة من علياء الجبل، وقفنا جنبا إلى جنب صامتتين، أفكر في قصتها، في أبنائها، ولا أدري فيما تفكر هي. ابتعنا مشروبا باردا من كشك صغير، وجلسنا أحدثها عن أمي حينا وعن إخوتي حينا آخر.
انتهينا من جولتنا، عدنا للفندق، وانتظرنا زوجها ليأخذها، التقيته، رجل لطيف، ولكن يبدو أن اللطف لا يمكن أن يكون أساسا وحيدا لحياة زوجية قوامها المسؤولية المشتركة. عندما تراهما معا تفكر في أي أمر إلا السعادة .
عدت إلى بلدي وعندما ذهبت لأخذ الصور من محل التحميض، قال لي العامل: "آسف...كل الصور محروقة...يظهر الضوء كان قوي أوي".
سلسلة على هامش الترحال 6- الهند
(6)
العيون سوداء دافئة تدور نظراتها بين الفضول والترحاب، والشعور داكنة السواد، والبشرة شديدة السمرة، والكلمات تتدفق دون توقف، والحوار موصول، والأصوات مرتفعة، كأني في الشرق ولكن نعم أنا في الشرق، بل في قلب الشرق، أنا في الهند. إن الادعاء بأن بلادنا هي الشرق وهم كبير، إن الشرق هو ذلك الذي يعبق جوه برائحة التوابل تلك التي أجدها في أنفاسي الآن، الشرق بالنسبة لبلادنا هو تلك البلاد البعيدة التي منها جاءت ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة. تلك البلاد الحارة التي أنا فيها الآن.
جاءتني الدعوة لمؤتمر يعقد في الهند أواخر أيام رمضان ويمتد ليستغرق أيام عيد الفطر، معنى هذا أنني سأحرم من قضاء العيد بين أسرتي، عندما أثرت هذا في جلسة أسرية علمت بما لا يدع مجالا للشك أن رفضي الحضور هو رفاهية لا أملكها وأنا من بلاد تشرئب برأسها في محاولة لمطاولة قمم العالم الحديث. لقد حقق المسلمون أسمى انتصاراتهم في رمضان بين بدر وحرب العاشر منه، ولم يقعدوا تعللا بأسرهم. وها أنا الآن هنا في آخر أيام رمضان عساي أرزق نصرا كنصرهم.
نزلت بومباي لأخذ رحلة داخلية إلى نيودلهي "دلهي الجديدة". استغرقت الرحلة من وطني إلى هذه المدينة بالتوقف في دبي ما يزيد على عشر ساعات وكانت المفاجأة أن حجزي من بومباي إلى نيودلهي غير مؤكد فأنا على قائمة الانتظار-ومتى لم أكن؟- طال انتظاري سبع ساعات وجدت نفسي بعدها في الطائرة التي ذكرتني قفزاتها المستمرة بأفلام الحرب العالمية الثانية، ولكن الحمد لله لم تنته الرحلة كما انتهت الحرب بانفجار نووي وإنما انتهت بسلام.
عندما حللت نيودلهي أدركت أن إرهاقي منعني من رؤية الزي الجميل الذي ترتديه أغلب النساء وهو الساري بألوانه الزاهية الجذابة، ولاحظت أن البعض يرتدي الزي الباكستاني المحتشم فأدركت أن هؤلاء بالضرورة مسلمات. فاجأني موظف الجوازات بسؤال غريب:" أين النقاب؟" في إشارة لكوني مرتدية الحجاب.
اليوم الأول للمؤتمر، الفندق مليء بالتماثيل الصغيرة والكبيرة التي لم أرها من قبل في حياتي، ويشعلون فوقها البخور طيلة اليوم، وليكتمل ذهولي وجدت البعض بين الجلسات المختلفة ينحني أمامها بوقار وجلال شديدين..أعبدة أصنام في هذا الزمان؟؟ نعم وعبدة أبقار وعبدة أنهار، يا أيها القوم لكم دينكم ولي توحيدي.. الحمد لله .
بعد انتهاء ورش العمل ولجان التوصيات وحفل الختام ومع كلمة مدير المشروع لي: "زينة نحن نعتذر إن كنا أضعنا عليك العيد" ثم إجابتي: "لا يوجد تعارض بين واجب العمل ومتعة الاحتفال في ديننا"، بعد هذا كله بدأت رحلتي. خلعت الزي الرسمي الغربي وارتديت جلبابا أزرق مع وشاح يجمع بين اللونين الأزرق والأبيض ووضعت مشبكا فضيا مثلث الشكل كتب عليه "ما شاء الله". هنا بدأت رحلتي الحقيقية، بدأ اكتشافي لذاتي من خلال حضارة لم أشهدها للرواد المسلمين الأوائل.
انطلقت مع أمريكية تعمل في باريس وغينية تعمل في الجامعة ونيروبي يعمل مع الأمريكية بسيارة أرسلتها لنا شركة سياحة لنبدأ اكتشاف أهم معالم وآثار نيودلهي.
قال لنا المرشد السياحي هي نيودلهي "دلهي الجديدة" لأن هناك أولد دلهي "دلهي القديمة". عندما سألنا عن الفارق بينهما قال النظافة. والحق أنه رغم قلة موارد البلاد الواضحة في السياج الحديدية الشائكة التي تحمي الميادين والزهور بدلا من أسوار أنيقة، وفي سيارات الأجرة الصفراء العتيقة التي لم يغيروها منذ استبدلوها بالأفيال ، إلا أن نظافة دلهي الجديدة ملحوظة وهو أمر تبينته في حمامات المطار، فمع تواضع الإمكانيات الشديد إلا أن الحمامات كانت في غاية النظافة مليئة بالأوراق والصابون لخدمة المرتادين من المسافرين وغيرهم، وهو الأمر الذي يفتقده زوار كثيرون من بلادنا.
انطلق بنا المرشد صوب ما قال عنه أهم معالم دلهي على الإطلاق، وهو ما سماه "قطب منارة" قال إنها بنيت على مراحل عدة فقد أضاف لها كل سلطان أو خليفة إضافة ما. "سلطان ..خليفة!!!" هذا الرجل يتحدث عن مسلمين أم ماذا؟ …. هنا في بلاد أنديرا غاندي سأرى ما يربطني بحضارتي وجذوري! سأصبر حتى أرى..قال الرجل الكثير عن المكان و عن تفرده وهيبته وجماله.
نحن أمام المدخل، السور مرتفع لا يكاد المرء يتبين ما بداخله. باسم الله ولجنا، يا ربي ما هذا الجمال؟! لا يضارع وصف المرشد الحقيقة إطلاقا، إن المكان أكثر جمالا وروعة وجلالا بلونه الأحمر المميز، بعد السور يدلف الزائر إلى ساحة واسعة تتوسطها منارة شامخة تعتمد على الأرض فتخالف بذلك المنهج المعماري التقليدي في المآذن التي تقوم عادة فوق المبنى الأساسي للجامع، تلتف حول هذه المئذنة بوابات كثيرة يبدو أنها بقايا لبنايات ما، هنا أخذت في القراءة وقلبي يدق بعنف، إنه القرآن، آيات القرآن مكتوبة في كل مكان، ورفاقي ينظرون بدهشة ويقولون: "يمكنك قراءة هذا؟" قلت ببساطة تخفي كل الإثارة بداخلي: "نعم.. هذه آيات القرآن الكتاب المقدس للمسلمين" فتساءلت الأمريكية: "معنى هذا أن مشيدي البنيان مسلمون.. لم نتصور أن حضارتكم وصلت هنا؟؟"
يقوم في الجانب الأيمن البعيد مبنى صغير مسور ومرتفع يدلف إليه بسلم صغير، صاح رفقائي ساعة دلفوا إليه وقالوا" "يا لها من زخارف بديعة!" قلت لهم: "نعم هذه الزخارف البديعة هي آيات القرآن." قبر من هذا؟ قال لنا المرشد أحد الحكام المسلمين مازال يرقد هنا.
منذ تلك الزيارة لم تعد عندي الهند بلاد الزعيم العظيم غاندي فقط. صارت الهند مثلها مثل بلادي، لنا معا جذر ثقافي مشترك، وأرضية حضارية متقاربة. لم يعكر هذا الإحساس لا تذمر الأمريكية من الزحام ولا تعجب النيروبي من الضوضاء. وجدت دفاعي عن هذه البلاد في قولي :"تتكلمون وأنتم من إفريقيا كمن لم ير بلاد العالم الثالث الفقيرة مطلقا"، و أيضا في أخذي الشاي من أحد العمال في محل للمنسوجات بعد رفض الأمريكية له تخوفا من مستوى النظافة دفاعا عن نفسي وإكراما لمن يربطني بهم ماض عزيز وإن اختلف الدين وتبدلت الأحوال بتبدل الأزمان.
علمت من المرشد أن آخر حكام المسلمين في الهند هو "بهادر شاه الثاني" الذي تولى الحكم في الهند سنة (1838م)، خلفًا لأبيه السلطان "محمد أكبر شاه الثاني"، وكان الإنجليز في عهده قد أحكموا سيطرتهم على البلاد، وفرضوا نفوذهم على سلاطين الهند، الذي كان الفساد قد ضرب بأطنابه في جوانبهم فصاروا توابع للإنجليز. وفي عهد بهادر شاه الثاني بدأت الثورة الكبرى ضد الإنجليز بأيدي جنود هنود مسلمين وهندوس يدا بيد، بدأت معركة الاستقلال التي استمرت سنوات عديدة، حتى بعد انهزام بهادر شاه من قبل الإنجليز، بين خفوت واشتعال حتى انتهت بالاستقلال الكامل عام 1947 م.
في محبسه جادت قريحة بهادر شاه قبل موته بقصيدة جميلة، تفسدها الترجمة العربية، ولكن لابد من ذكر بعضها:
يا رسول الله ما كانت أمنيتي إلا أن يكون بيتي في المدينة بجوارك،
ولكنه أصبح في رنكون وبقيت أمنيات في صدري.
يا رسول الله.. كانت أمنيتي أن أمرغ عيني في تراب أعتابك،
ولكن هأنذا أتمرغ في تراب رنكون.
وبدلاً من أن أشرب من ماء زمزم، بقيت هنا أشرب الدموع الدامية.
فهل تنجدني يا رسول الله؟ ولم يبق من حياتي إلا عدة أيام .
رافقني الشعور بالعزة في اليوم الثاني وأنا في الحافلة التي أقلتنا إلى تاج محل، كل ما علي أن أصمت وأسمع هذا المرشد وذاك السائق يتحدثان عن أمجاد الحكام المسلمين وعما شيدوه. أمام تاج محل وقف المرشد يروى أسطورة ذلك الحب الذي جمع بين قلب غياث الدين خُرّم بن جهانكير، الملقب شاه جهان (أي ملك الدنيا) الملك المسلم وامرأة من عامة الشعب (ممتاز محل)، و قد بلغت قصة الحب هذه أوجها في التاريخ ببناء هذا الصرح الشامخ الذي صمد عبر دهور ليشهد في عصرنا الحديث أن قلبا مسلما عرف كيف يحب وكيف يفي وفاء صادقا يتحدث عنه العالم.
هذا ما كانه تاج محل لدى زواره قصة حب أسطوري، هو عندي قبل ذلك قربى لله، لقد كتب هذا السلطان على أول بوابات القبر الذي هو اليوم أحد عجائب الدنيا السبع: "ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد…" إلى آخر السورة. دخلنا، أمامنا المبنى الأساسي: المسجد الأبيض الرائع تمتد إليه من البوابة شبكة قنوات مائية بديعة الصنع. سلكت طريقي بعيدا عن الفوج المرافق، فهذا المكان لي غير ما هو لهم.
قال المرشد إن المسجدين على اليمين واليسار يصلى فيهم الناس حتى الآن، توجهت إلى الأيسر حيث الزحام أقل، خلعت نعلي وتوضأت بمياه القناة البعيدة في وسط دهشة البعض وقمت بين يدي الله.. تحية المسجد أولا ثم ركعتين...مع الرحابة والبهاء اللذين تعطيهما زرقة الفضاء الواسع وانسياب النهر خلف المبنى لنفس الزائر وللمكان ذكرت أمي وهل أنساها ؟
يشهد هذا المكان وحصن أجرا المجاور له أن المسلمين عرفوا العاطفة الصادقة المخلصة لنسائهم، وأن النساء بادلنهم حبا بحب وإخلاصا بإخلاص، فهذا الأمير يترك جيشه ليرى امرأته في مرض موتها، وهذه تدفعه للعودة ليرعى مصلحة بلاده. أين هذا مما نحن فيه الآن من بلاء ؟ يعلم الله.
في طريق العودة مر بنا أحد الحواة بصحبة نايه وسلته، رفع الغطاء وبدأ يعزف، رفض الثعبان التحرك، فدفع الرجل بيده إلى داخل السلة وأمسك بالثعبان ولطمه على وجهه ثم ألقاه في السلة وعاود العزف فتحرك الثعبان راقصا. رق قلبي للثعبان، إن الإنسان لجبار ولو كان من الحواة.
مررت بأماكن كثيرة في تلك الزيارة، حصن دلهي الجديدة والحديقة التي أحرقت فيها أجساد الزعماء غاندي وأنديرا غاندي ومن بعدهما ابنها راجيف غاندي وكان آخر عهدي بالمدينة زيارة المسجد الكبير في دلهي القديمة التي يصدم زائرها بالمستوى شديد التدني للنظافة فيها. رغم ذلك استمتعت برؤية كل حجر أحمر وضعه المسلمون في جنبات المدينة وبين طرقاتها مكتشفة أننا اليوم في بلاد الإسلام بعيدون كل البعد عما صنعه جيل الأجداد البعيد.
وأنا أنظر للمدينة من شباك الطائرة همست لنفسي: "إنّا بتخلفنا أضعنا الكثير الكثير ليس من الأماكن فقط ولكن أهم من ذلك من القيم التي لا يشوبها تطرف وغلو. فبأي شيء سنعتذر ربي إليك؟".
على هامش الترحال 4- سنغافورة
(4)
أتيت من القاهرة إلى سنغافورة عبر مطار دبي، لقد أصبحت أمضي في مطار دبي بين الأسفار المختلفة أكثر مما أمضي في موطني، استغرقت الرحلة ما يقارب العشرين ساعة. وللمرة الأولى منذ عرفت طريق الطائرات، للمرة الأولى، أنا خائفة وقلقة ويملؤني حذر لم أعرفه من قبل، لقد تغيرت حياتي بصورة درامية للغاية في الشهور السبعة الماضية فلم يكن ينقصني إلا رحلة كهذه تباعد بيني وبين أهلي وأحبتي وبين شرنقة الأمان الجديدة التي بدأت أغزلها في القرب منهم.
مطار دبي بارد للغاية، لا أعرف لماذا طورنا، نحن العرب، في بلادنا الحارة عادة خفض درجة حرارة الجو حتى يضطر رواد المكان ارتداء ملابس ثقيلة ليتجنبوا برودة جوه. أود أن أخبر أحدهم يوماً أن ذلك لا يؤدي بحال من الأحوال لخفض درجة حرارة الجو خارج المكان، فالحرارة الشديدة تظل هي هي دون تأثر بمدي قوة عمل التكييف في الداخل.
استلقيت على أريكة في غرفة الاستراحة لمدة لم أدرك مداها ولم يوقظني إلا صوت المضيفة: "سيدتي الطائرة هبطت منذ دقائق"، شكرتها وانطلقت.
أنا في سنغافورة، عرفها العرب قديماً باسمها الحالي ، أثناء رحلاتهم التجارية إلى الشرق الأقصى، وبعد توقف السفن الشراعية ظهرت أهميتها كميناء للسفن التجارية في القرن التاسع عشر ، فأصبحت ميناء عالمياً مند سنة1819 م، ودعم وظيفتها تصدير قصدير الملايو ومطاطها ، فاتخدتها شركة الهند الشرقية البريطانية كميناء أول لها في جنوب آسيا مند سنة1876 م، وخضعت للاستعمار البريطاني إبان سيطرته على شبه جزيرة الملايو ،وتحولت إلى قاعدة مهمة للأسطول البريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية ، ثم حصلت على استقلالها مع الملايو حسب اتفاقية لندن سنة 1957 م واتحدت مع ماليزيا في سنة 1959م وانفصلت عن اتحاد ماليزيا في سنة 1965 م ، وعرفت بعد الانفصال بجمهورية سنغافورة .
مطارها رحب أو كما تقول خالتي ِشرح، ألوانه تدور بين الزهري الفاتح والرمادي. أول ما لفت انتباهي عندما خرجت منه ضوء الصباح الذي يغمر المدينة والجمال الفائق والنظافة الباهرة، ونعم هي مبهرة كوني دوما ظننت أن أحوال الشرق متشابهة خاصة فيما يتعلق بأمور كهذه ولكن هذه البلدة رائعة الجمال شديدة النظافة كما لم أر من قبل. الخضرة تغطي كل شئ أشجار استوائية جميلة تطاول قممها السحب، شامخة برأسها شموخ البلد نفسه.
ركبت سيارة أجرة في الطريق إلى فندقي. حدثني السائق عن تعدد الأديان في البلد، ثم أخذ يحذرني من تناول الأطعمة في بعض المحال لأن اللحم غير مذبوح على الطريقة الإسلامية، وأخذ يخبرني أين يمكنني أن أجد ملابس مناسبة للشرق. أخذت أسأل عن عدد السكان وعن العملة وعن..وعن..يعيش في سنغافورة…نسمة وعملتها الدولار وهي عملة قوية للغاية، الدولار السنغافوري الواحد تقارب قيمته ثلاثة أرباع الدولار الأمريكي. عند الفندق سألت السائق: "وهل أنت مسلم"، ابتسم تلك الابتسامة الهادئة التي تميز أهل آسيا الشرقية، وقال: "لا.. أنا بوذي، ولكن شريكي في هذا التاكسي مسلم".
"أخيرا، فراش ووسادة، مرهقة يا ربي جدا، مرهقة كما لم أكن من قبل" هكذا حدثتني نفسي وأنا ألقي بنفسي على فراش فندق شيراتون الوثير…على بعد آلاف الأميال من وطني.
نمت بعمق شديد وأيقظني ما يشبه الدغدغة الناعمة على وجهي، فتحت عيني ولم أتحرك من مكاني، مازالت الدغدغة موجودة، غاص قلبي بين أضلعي، ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟ قفزت مع تحريك رقبتي بقوة وسرعة، سقط من على رقبتي شيء كبير أسود بحجم إصبعين..يا إلهي صرصار!! تحرك هذا الأخير على الأرض بثقل ووقار شديدين. أما أنا فقد قفزت إلى الباب وفتحته وصرخت علي خدمة الغرفة، جاء الرجل مهرولا: "خيرا سيدتي خيرا !!" أشرت إلى الزائر على الأرض، ضحك الرجل وقال: "آه.. هذا" وأمسكه بيده ثم سحقه!!
اليوم الأول للمؤتمر استيقظت مبكرا جدا، كانت حوالي الخامسة. الجو شديد الرطوبة والاستوائية. ارتديت ملابس خفيفة. الجلسة الأولى للمؤتمر تبدأ حوالي التاسعة مما يعطيني الوقت الكافي للسير حوالي الساعة، وتناول الإفطار، ثم أخذ حمام بارد.
خرجت من باب الفندق لأجد نفسي في طريق ممتد طولا وعرضا، يقابل الفندق حديقة غناء ، كانت أمي تقول إن الحدائق في بلادنا أكثر كلفة منها في أي بلد آخر حيث الأمطار الغزيرة في البلاد الأوربية تيسر الكثير من المجهود، الواقع أن سنغافورة تجمع بين الأمرين، فإضافة إلي كونها بلدا استوائيا غزير الأمطار فإن الأفراد والدولة يبذلون من الجهد الكثير للحفاظ على نظافتها ورقيها.
رأيت إلى جوار الحديقة محطة باص انتظم فيها مجموعة كبيرة، أغلبها من الطلبة، في صف لا يزاحم فيه أحدهم الآخر، يركب كل منهم في دوره ويفسح صغيرهم لكبيرهم، هل أجرؤ وأحلم بمثل هذا النظام يوما في بلادي؟ لا أجرؤ فقط على الحلم، وإنما أتعدى هذا إلى اليقين ، نعم يوما سأراه حقيقة وسينعم أهل بلادي بكل هذا، ولكن على أصحاب الحلم أن يؤمنوا به ويحملوه معهم ويدفعوا به لغيرهم.
دفعني الفضول إلى السير خارج الحديقة لأكتشف ما حول الفندق من أماكن ومبان، عرجت في طريق طويل تقع على جانبيه مبان قصيرة تدور بين الفلل الصغيرة، والمباني رباعية الأدوار وكل منها تحوطه أو تتقدمه حديقة بهيجة. لا شك أن سنغافورة من أجمل بقاع الدنيا، فالنظافة وأناقة المباني على بساطتها والخضرة المنتشرة في كل مكان مع ألوان الزهور الاستوائية الزاهية تهب عين الرائي راحة وبهجة وامتدادا.
إنها المرة الأولى التي أشارك في مؤتمر يدور حول موضوع من موضوعات الصحة العامة، لم أجد في البداية أي شخص من بلادي، ولكن بعد قليل سمعت ورائي أصواتا عربية، وقفت وتوجهت نحوهم وتعرفت بهم ثم عدت إلى مقعدي.
مازلت أدهش من أحوال العرب على رغم عروبيتي. لقد أمضى هذان الزميلان كل فترات الغداء والعشاء التي جمعتنا في مناقشات هجومية على سياسات البلاد المختلفة وعلي مذهب كل منهما الديني، فأحدهما سني والآخر شيعي، ولم يسعني سوى الصمت وتأمل الحدث، هل هذا أفضل ما يمكننا تقديمه لبعضنا ونحن على بعد آلاف الأميال عن أوطاننا؟ وهل هذه هي الصورة التي يمكن أن نتركها وراءنا في نفوس متأملينا والناظرين إلى هؤلاء القادمين من بقاع الشرق المختلفة؟ ألا يمكن للخلافات أن تتوارى؟ ألا توحدنا ولو حتى الغربة الواحدة ؟ لقد انتهى بنا المقام نحن الثلاثة بقية أيام المؤتمر في مجموعات مختلفة مع جنسيات أخرى ولم نتبادل أرقام الهواتف والعناوين كما فعلنا مع بقية الحضور.
قال أحد أصدقائي الإنجليز على لسان أحد أبطال قصة لم يكملها بعد: في آسيا الشرقية تجد إسلاما رقيقا لين الجانب ليس به عنف إسلام الشرق الأوسط..". الواقع أن الصواب جانبه في هذا التعليق فالإسلام دين السماحة، أما التباين في الأداء فهو تباين سعة القلوب و سماحة النفوس.
إنما يتعين علي أن أقول إني رأيت في سنغافورة ما لم أر في بلاد كثيرة متعددة الأديان، ففي سوق يسمي السوق القديم وجدت المعبد الهندي يقوم إلى جانب الكنيسة إلى جانب المسجد إلى جانب المعبد السيخي، ويجمعهم ليس فقط وحدة المكان وإنما الطراز المعماري أيضا، فالأسطح مسقوفة والجوانب مفتوحة للهواء الطلق، فيرى السائر في السوق المتعبدين كل يمارس شعائر دينه في سلام. وفي بلد تقطنه قلة مسلمة ينوه عن موعد الصلوات الخمس في التلفزيون يوميا.
قطعا لسنغافورة طبيعة خاصة، فهم يتعاملون بعملات متعددة منها الدولار الأمريكي وعملة مملكة برونوي، ويتحدثون بألسن عدة فلغاتهم الرسمية تشمل الماليزية والصينية والإنجليزية والتامولية واللغة التي يفهمها الجميع بالطبع هي الإنجليزية.
إنها رحلة العودة الطويلة مرة أخرى، لم يكن لدي فرصة للقيام بنزهة نهرية في نهرهم الكبير ولا لزيارة بقية المعالم التي سمعت عن روعتها، للشرق جاذبيته التي لا تقاوم في قلبي. من يدري قد يكتب لي زيارة هذا المكان مرة أخرى، وربما لا أكون وحدي. أما الآن فعلي أن أعود سريعا، لماذا؟ لأني سوف أؤدي بعد عودتي بيوم واحد مناقشة رسالة الدكتوراه التي استغرقت من الصبر أكثر من الجهد، ورافقتها عواصف وأعاصير عدة حتى بلغت بها بر الأمان مع توقيع الأستاذ المشرف على صك الصلاحية، فمعالم سنغافورة يمكن أن تنتظر أما مصيري فلا.
وجدت أخي الصغير في انتظاري عندما هبطت مطار القاهرة، ماله متجهما هكذا؟! ماذا هنالك؟ قال بغموض:"عندما نستقل السيارة سأخبرك" ، " فتنة جديدة في الإسكندرية، أستاذك كان في محرم بيه وقت اندلاع الأحداث فأصيب، فتم تأجيل المناقشة"، أما كان أحرى بي رؤية معالم سنغافورة؟.
سلسلة على هامش الترحال 3- الصحراء
(3)
أيقظتني حرارة شديدة. أكاد أشعر بتفجر جسدي من شدة الألم. رفعت رأسي ثم أقمت جسدي من رقدته، ما هذا؟ أين أنا؟ حولي في جميع الاتجاهات امتد اللون الأصفر معانقاً الأفق، أهذه صحراء؟ نعم إنها الصحراء. أأنا هنا وحدي؟
آخر ما أذكر هو ذلك الشباك ، تلك النافذة الخشبية طولية الهيكل، قديمة المظهر، تشقق طلاؤها الرمادي من الرطوبة والزمن، ذات أشرعة صغيرة، هل كانت مفتوحة؟ هل كان يطل خلفها ذلك الفراغ الصامت الذي يفترش المنازل قبيل الغروب؟ لا أذكر. لقد كنت واقفة في الطريق أرفع رأسي لأشاهد النافذة... هذا آخر ما أذكر...ماذا حدث بعدها؟ كيف أتيت إلى هنا؟
يبدو أني وحدي تماما، لا أرى حولي إنساناً ولا حيواناً والحرارة تشتد ... لا مياه.. لأسر قليلاً عساي أجد أنيساً في هذا الوجود الصحراوي الممتد. وقفت، آه.. ما هذه السخونة؟؟ يا لسخونة الرمال وخشونتها! حبيبات صغيرة يساند بعضها بعضا، تتدافع في سلاسة تحت قدمي وبين أصابعي لتدفع باللهب إلى قمة الرأس. أين ذهب حذائي؟ هل علي فوق كل هذا أن أسير حافية؟ وهل لدي خيار آخر؟ أأنتظر في مكاني حتى يظهر أحدهم؟ و إلى متى الانتظار؟
ولكني انتظرت قبل ذلك، انتظرت أمام تلك النافذة ... ماذا كنت أنتظر؟ كيف لا أذكر؟ لكني انتظرت... وقفت هناك... خلفي شاطئ البحر... ونظرت إلى النافذة... غصت فيها بعمق نظري... وقفت هناك تطل على النافذة بكل ..بكل ماذا؟ ما هذه النافذة؟ أين كانت؟
لا يهم. الآن علي أن أخرج من هنا، من هذه الصحراء الممتدة. طالما أحببت الصحراء، تجردها، تلالها الرملية الصغيرة، نخيلها وواحاتها، هواءها الجاف، امتدادها امتداد البحور، ولكنى لم أتصورها بهذه الحرارة وهذه الوحشة. في أي اتجاه أسير؟ نعم إلى الأمام.. إلى الأمام.
أشعر أن قدمي سوف تخذلانني في أي لحظة، إن السير في الرمال أكثر مشقة مما ظننت إنها ليست بنزهة على شاطئ البحر المتوسط فوق رماله الناعمة المشبعة بلطف المياه. إنها الرمال الحقيقية الآن. الرمال كما لم أعرفها من قبل. ساخنة وحادة، حدة لا تعرف معها الرحمة السبيل إلى حبيباتها الصغيرة القوية.
لقد شعرت من قبل بقوة الصغير من المخلوقات... خبرت هذه القوة عندما تجمدت تلك القطرات المائية الصغيرة فوق جفوني وأنا أنظر إلى النافذة...كانت متجمعة في قوة، رغم صغرها، تتأبى علي الانطلاق، ترفض تلك الحرية التي منحتها لها، ظلت هناك فوق جفوني، وقفت معي تراقب تلك النافذة... المفتوحة. رجوت منها الانطلاق.. تمنيت عليها الانسياب فأبت، ساعتها تحركت إحدى أضلاع النافذة وبزغ خيط ضوء ضعيف. أكان الهواء البحري هو من حركها أم شيء آخر؟
إلى متي سأحتمل هذا الجفاف؟ لم يعد في فمي أي قطرة ماء. حلقي يشققه الجفاف. علي أن أجد الماء في سرعة وإلا فنيت بين رمال هذا الامتداد الهائل. لا أملك حتى أن أرتاح قليلاً من عناء السير. أقدامي تغوص بقوة في الرمال، تصل الرمال في كل خطوة إلى ما يقارب ركبتي. والألم يشتد بين أصابعي. ألم له لهب الحريق وحدة الأسلاك المعدنية. لألقي نظرة عليها، يا ربي لقد تشقق ما بين الأصابع في جروح طولية متعددة، ، وتسللت الرمال في الجراح، مختلطة بالدم، مسببة ذلك الألم الحاد. لابد من تنظيفها وتغطية الأقدام لحمايتها من أي إصابات جديدة. شققت قميصي.. أخذت منه رقعتين.. لففت واحدة على كل قدم.. ثم وقفت..، آه.. إن الألم قاس للغاية.
نعم كانت مفتوحة...أطلت علي النافذة بكل قسوة.. قسوة الذكرى التي لا تذهب..قسوة وجودها بعد الذهاب.. حياتها بعد الموت.. بقائها رغم الفناء. هذا الجماد القائم هناك صمد بعد أن ذهب الجميع ، لا يهم الآن... سأواصل في الصحراء سيري ثم أفكر لاحقا.
لم يزد ما أمامي عن رمال ممتدة امتداد نظري، وحرارة تكاد تذهب ببصري. ألن أجد الماء؟ ألن أجد الظل في أي مكان في هذه الصحراء المترامية الأطراف؟
عطشي وتشقق حلقي يذكراني بهذه القطرات الندية التي ارتكزت حول النافذة الرمادية. يوماً وراء يوم طالما خلف هواء البحر الندي الرطب هذه القطرات وراءه. كانت جدتي تمسحها بقطعة القماش الوردية بعد أن تبللها بالمعطر ذي رائحة الفل ليحمل الهواء في عبوره هذه الرائحة الندية إلى من كانوا يوماً خلف النافذة. كل ما أريده الآن قطرات، بضع قطرات، كتلك التي مسحت مرارا.
لاحت بشائر خضراء، فقط بضع خطوات، بضع خطوات أخرى وأطاول هذا الظل القائم هناك. تحملي أيتها الأقدام، اصبري أيتها النفس، إنها لحظات وأصل إلى ما صمد الصبر لملامسته، لرؤيته، للتمرغ بين ظلاله، للارتواء من تدفقه. الألم يحرق أصابعي المجروحة والحرارة الشديدة تخترق الملابس المهلهلة لتصل إلى عمق الخلايا تعمل فيها لسعاً وتقتيلاً. لن يتحمل الجسد، ثقل عليه التعب والعي.
ناءت الروح تحت وطأة الذكرى، النافذة مفتوحة، من هناك؟ من هناك؟ من دخل من الباب المغلق؟ من خطا فوق خطوي؟ من تراه الآن في فراشي تلامس جلده أغطية، كانت لي، تدفع بنعومتها وبرودتها الراحة في خلاياه بينما أنا في هذا القيظ المقيم؟ من يوقظ الذكرى ويوقد النيران تحت القدر المنسي؟ من عاد وأنا في التيه؟ من وضع يده فوق تلك الستائر ودفع بها بقوة متجنباً تمنعها أحياناً وأزاحها عن النافذة؟ من؟ من هتف من هذا العلو بعد هذا الأمد؟ من؟ هل هذا الشعاع شعاع مصباح شرقي اشترته أمي لتضيء به ظلام ما وراء النافذة وهي تقول للبائع الذي حاول إغراءها بالمصابيح الغربية "مش دافيه " هذا الدفيء الذي تنفس عبر النافذة حتى أغلقتها بلا رحمة يد الموت. سقط جسدي فوق الرمال الساخنة. أغمضت عيناي في استسلام، أتراني لن أصل؟
لن أدع الحر يتغلب علي، لن يهزمني العي، بعد أن قطعت ذلك الشوط الطويل، سأغالب الإعياء والضعف... تعالي أيتها القوة تجمعي هنا في قدمي.. ساعدني يا الله..ساعدني لأقف. قامت ريح شديدة حملت معها حبات الرمال الصغيرة القوية. الرياح تضرب وجهي وأنا أسير. إن الشقوق تنتقل من الأصابع إلى الوجه، لكن الرياح تساعدني رغم ذلك فهي تدفع بي للأمام، أنا أتقدم والظلال البعيدة تقترب، إنها على امتداد أذرع معدودة. أشعر بملمس لزج على وجهي، ما هذا؟ أحمر؟ من أين جاء هذا السائل؟ إنه يتدفق من شقوق وجهي.. من الجراح الجديدة. سأشربه، لا يهم سأشرب مهما كان اللون، صرت أمسح وجهي بأصابعي وأشرب لكني لا أرتوي لا أرتوي.
أخيرا.. إنها الواحة..أراها أمامي..يا للجمال! سألقي نفسي في هذه المياه المتجمعة.. جريت وجريت..أخيرا، المياه ستلامس جسدي وتغسل جروحي.. سأغرق رأسي وشعري بها.. قفزت..سقطت في الرمال.. لقد أخطأت البحيرة.. سأحاول مرة أخرى.. لماذا أخطئ؟ أنا أراها أمامي.. فكيف أخطئ؟ مددت يدي قبل أن أحاول القفز مجددا.. بأصابعي حاولت لمس المياه لكنها لا تلامس إلا رمالا.. أترى هذا سراب وليس حقيقة؟ آه لم أعد أحتمل السراب يطاردني ورجع الصوت يملأ أذني.
عندما وقفت هناك أمامها في سكون وجمود سمعت تلك الأصوات. كانت ضحكات وأصواتاً لا تنقطع... ورائحة مخبوزات جميلة...كنافة من غير حشو للأطفال وأخرى بحشو للكبار.. رائحة مكسرات أم علي... تلا ذلك بكاء وتوجع وأنين واستمر الأنين ضعيفاً منتظماً لا يقطعه شيء. ولكن كيف كنت أسمع؟ لقد كنت أري النافذة عبر الطريق وهي مرتفعة.. بعيدة..بعد السعادة عني.. بعد الأمل مني.. لم أكن أسمع شيئا.. لقد كان هذا رجع الصدى جاء حياً عبر السنين. آه أكل هذا ضرب من ضروب الوهم ولم يكن حقيقة؟ لأترك هذه النافذة الآن.. علي أن أخرج نفسي أولاً من هنا.
يجب أن أرسم خطتي.. لن أظل هكذا.. لقد سرت إلى الأمام في هذه الصحراء بما يكفي.. علي الآن التحول إلى اتجاه آخر..الطيور حرة تحلق في سمو وعلو.. لماذا تعبر هذه الصحراء؟ ما الذي أتى بها إلى هذا المكان القفر؟ لكنها قد تحمل الخلاص، سأتخذها دليلا.
لقد دفعتني النافذة إلى هذه الصحراء.. دفعني خواء بعد امتلاء.. ها قد بدأت أسترجع التفاصيل التائهة. كان فراغاً لا يحتمل.. على قدر برودة هذا الفراغ كانت حدته الجارحة... ولكن هل للصمت والخواء قوة كي تدفعني إلى هذه الصحراء...إلى هذا الألم؟؟
لابد أن للطيور منزلاً في مكان ما و ربما كان لها موطن، وهي ستتجه إليه، مهما بعد، لقد مالت الشمس، إذا فالطيور عائدة. سأتبعها،إنها تتجه يمينا. إنها سريعة، قوية، حرة. بدأت الحرارة في الهبوط، الحمد لله سوف تهدأ الجراح. لا ينقصني إلا المياه. الرمال تزداد نعومة ورطوبة.. مع هذا يزداد السير صعوبة. فقط لو تبطئ الطيور قليلا. لكنها تعرف وجهتها فلماذا تبطئ؟ ألوانها جميلة تعانق السماء في سمو وانسجام كأنها جزء من هذا الفضاء الواسع منذ الأزل. إنها تبتعد كثيراً لا أملك أن أحافظ على المسافة بيننا، يا ربي إنها تذهب، لا.. لا تتركيني. لكني أنا التي لا أتحرك إن الرمال ناعمة، تجرني، تسحبني، تريدني جزءاً منها إلى الأبد.
من كان هناك؟ من؟ إن النافذة مفتوحة.. لا بد أن أعرف من واقف هناك وراءها. من وسط الرمال، مددت يدي، آه لقد لامستها، بأصابعي دفعت ضلفتيها على مصراعيهما. وصلت الرمال إلى خاصرتي، يا ربي إن الصحراء تناديني، لكن من هذا؟ لابد أن أعرف قبل أن أذهب في الرمال. أخيرا… كل ما وراء النافذة أمامي، يا إلهي، غير ممكن!! غير ممكن!! هاتان العينان … أما غادرتا يوما؟ أما زالتا خلف النافذه؟؟ لقد أغلقتها يد القدر فذهبنا جميعا ، في ذلك اليوم المشمس على برودته، أمازلتا هناك؟؟
تسحبني الصحراء...لم أعد أقدر على المقاومة...أعياني وجع الروح قبل وهن الجسد...ذهبت الطيور...الرمال لها قوة عاتية... تعلو فوق قدمي...ترتفع...تغمرني...تغرقني...تتسع النافذة وتتسع بينما أذهب في الرمال...
سلسلة على هامش الترحال2- الكويت
(2)
أنا في الكويت، ليست مرتي الأولى في الخليج، لقد نشأت في إحدى الدول الخليجية ونعمت للغاية بالسنوات السبع التي قضيتها بين المدرسة السورية وبين المنزل. ولكنها مرتي الأولى في الكويت.
سميت دولة الكويت بالكويت نسبة إلى الكوت، والكويت هو تصغير للفظ الكوت، والكوت عبارة عن بناء يخزن فيه الأسلحة. كانت الكويت تحت الحكم العثماني كأغلب الدول العربية وفي عام 1914م تقرر إبدال العلم التركي بعلم خاص بالكويت يحمل اللون الأحمر وفي وسطه كلمة كويت باللون الأبيض. ونالت الكويت استقلالها عام 1961، العجيب الذي عرفته قبيل ذهابي أن احتلال الإنجليز للكويت لم يكن عنوة وإنما جاء نتيجة معاهدة وقعت في يناير 1899 بين شيخ الكويت آن ذاك الشيخ مبارك الصباح وبين بريطانيا، وهدفت هذه المعاهدة إلى حماية الكويت من أخطار الدولة العثمانية !!
في الطائرة استخرجت روايتي وبدأت روحي رحلتها المفضلة بين السطور، وكانت تلك وسيلة جيدة للهروب من ملاحظات وأسئلة جاري مثل: هل الفيلم الذي أشاهده رائع؟ أو هل الرواية حلوة لهذه الدرجة؟ أو هل أنت ذاهبة إلى زوجك في الكويت؟ …الخ
في الفندق صدمتني الفخامة وما بهرتني، هل نملك ونحن من الدول النامية تلك الرفاهية؟ وان كنا نملكها فكيف نوظفها؟؟
عرفت قبيل مجيئي إن المدير العام لمنظمتي سوف يكون في حفل الافتتاح، وعلمت أيضا أن محاضرتي هي الأولى على الجدول، معنى ذلك أن لدي امتحاناً في غاية القسوة فليستر الله وليوفق. تأخر الضيوف الرسميون عن حفل الافتتاح فقد كانت لهم ارتباطات أخرى صباحية..ها هو مديري، دوما في موعده ، تقدمت وسلمت وسألت: هل سينتظر لمحاضرتي؟ …قال أي نعم... رئيس الجلسة يقدمني وأنا بين اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا.. ورب اشرح لي صدري..
هل سأنسى الكلمات؟ هل سأرتبك؟ ما نسيت وإن ضاعت كلمات واختفت أفعال... انصرف مديري فور انتهائي فلم أعرف رأيه. توحشت في الرد على أحد السائلين، إذ كان خلال إجابتي يتكلم فلم أجد نفسي إلا وأنا أقول له هل مازال السؤال مهما لديكم أم عرفتم الإجابة فأدخر جهدي ووقتي لسائل آخر؟ أحياناً يظهر هذا الوحش و يرد هكذا إذا ما لمست استصغاراً لشأن المرأة ...عليَ يوماً تجاوز هذه الحساسية.
نحن ننحدر وسنظل كذلك إلى فترة من الزمن يعلم الله مداها، لقد بدأ أحد المتحدثين إلقاء كلمته باللغة الإنجليزية وهو العربي الخليجي حتى رأيت أغلب الحضور وهم من العرب يرتدون سماعات الترجمة. لم تلفت هذه الحقيقة نظر الأخ المحاضر، ولا دفعت من لحقه إلى سلوك غير مسلكه، فانقضت الجلسة في استعراض كبير للمفردات الإنجليزية. كانت المحاضرة الأخيرة لأحد الضيوف الأربعة الأجانب فبدأ حديثه بقوله :"قال نبيكم المعدة بيت الداء" بالعربية.
تذكرت الوفد الألماني في اجتماع دولي نظمته إحدى المنظمات التابعة للأمم المتحدة وهو يبدأ حديثه بقوله:" ألمانيا تتحدث اللغة الألمانية"، ثم تحدث بالإنجليزية لأن الألمانية ليست إحدى لغات الأمم المتحدة…لقد هنا فسهل الهوان علينا في كل أمر صغر أم كبر…هل أخبركم بالمزيد؟ في الجلسة التالية بدأ أحد المتحدثين بقوله: "آسف لقد كتبت محاضرتي بالعربية لذلك سوف ألقيها بالعربية فأرجو أن تعذروني"، فسمعنا صوت أحد الحضور وهو محاضر سابق يقول له :"ولو... تحدث بالإنجليزية"، لم أعد أحتمل، وجدتني أقول :"نعم فليتحدث بالإنجليزية ليرتدي كل الحضور العرب السماعات أيها العربي الأكاديمي في مؤتمر عربي في بلد عربي". ساد الصمت للحظات ثم قال المحاضر سأتحدث بالعربية واسترسل. خرجت من توي للقاء منظم المؤتمر الذي قال لي بعد طرح الأمر عليه:"اللغتان لغتان رسميتان للمؤتمر بناء على طلب المحاضرين، لقد أصبحنا غرباء يا سيدتي". حدثتني نفسي: "إننا نصنع غربتنا بأيدينا ولا حول ولا قوة إلا بالله".
رأيت في الكويت عكس ما قد يعتقد كثيرون، شعباً بسيطاً متواضعاً مضيافاً يساعد الغريب ويرحب به، جلس معنا على ذات الطاولة وزراء سابقون و حاليون ضحكوا وتكلموا وهو الأمر الذي قلما تراه في بلد عربي، رأيت في الكويت آثاراً بعيدة للغزو العراقي وجراحاً لم تندمل بعد... ينهون دوماً حديثهم بدعاء قصير لطيف وهو "يعطيك العافية"، كلماتنا ليست كالكلمات وحواراتنا دافئة ومليئة.
أفتقد أسرتي بشدة. حدثني أبي هاتفياً من أوروبا ليقول إنه سيمضي حوالي الشهر هناك، معنى هذا أنني لن أراه لمدة طويلة، هذه الأيام نحن طائران في اتجاهات مختلفة، ختم بقوله: "هل أنت بخير؟" قلت له: "الحمد لله ..لا ينقصني إلا رؤياك".
مرت 5 أيام بين الجلسات وورش العمل، وأخيراً كنت في لجنة التوصيات التي استغرق عملها عدداً طويلاً من الساعات دون راحة. الحمد الله الآن أنا في الطائرة، في طريقي إلى منزلي.
استقبلتني ابنة أختي بضمة قوية وهي تقول: "احكي لي حكاية..." قلت: "حاضر.. حكاية الأرنب الشجاع" ، صرخت قائلة: "لا أنا عايزة حكاية فيها أمير".
يا ربي جيل وراء جيل ومازلنا في انتظار الأمير.
سلسلة على هامش الترحال 1- السائق
(1)
كان الألم رهيباً ، وفوق كل وصف، كانت في بحر زرقته عميقة تحتضن كل شيء وتدور ويرتفع صوتها بالغناء، مع هذا وجد ألم عميق عميق بداخلها، لأنها الوحيدة التي كانت تعلم، يقينا، أن ما بين ذراعيها ليس لها، كان الآخرون يرون هذا الذي في أحضانها حقيقة وكانت علي يقين أنه سراب لن يتحقق، كانت النهاية وإن بعدت آتية. مع هذا رفضت الذهاب، رفضت وبإصرار ترك ذلك البحر اللجي العميق.
لماذا..؟؟ سؤال أوله مقاساة عقلية شديدة، ونهايته كفر. وبين البداية والنهاية طريق طويل طويل من الأفضل ألا يكمل، و رحمها ربها، فلم تخط في طريق لماذا طويلا، فأدركت ما أدرك العرب من أن في اليأس إحدى الراحتين.
كانت في هذا البلد العجيب ، خرجت لتوها من المستشفى وكان الطريق غريباً لم تطرقه من قبل، لم تكن معها سيارة، شاهدت ذلك السائق..سأل إلى أين؟..قالت له..ركبت وقاد.
الحقيقة دهشت، فقد كانت قيادته غريبة، كانت مختلفة ولكن في هذا الوقت كان السائق مسليا، فيه كل ما افتقدت، كل ما أوحشها منذ دخلت ذلك المستشفى العجيب.
لم تعرف لا القلق ولا الخوف، كل ما عرفت كان جديداً …نسيت كل ما حولها، غرقت في حكايات السائق …حتى الطريق نفسه لم تعد تنتبه له. ظل السائق يتكلم ويتكلم وهي تنصت ويشير إلى معالم الطريق وتنظر إليها تراها بنفس انبهاره هو بها.
فجأة ظهر أبوها واقفاً على ناصية الطريق ، ما الذي أتى به إلى هنا ؟ لماذا هو قلق هكذا؟ تعلقت عيناها به فترة فإذا بالقلق البادي في عينيه يتحول إلي غضب هي لا تفهم لماذا يتغير؟ ألأنها اختارت طريقاً مختلفاً؟ هل كل ما ليس مشابهاً لما فعل خطأ؟ هل كل مخالفة له فشل؟ أدارت وجهها، لن تنظر إليه مرة أخرى، إنه يبتعد عنها، لم يعد يريدها كما هي، عوضت في وحدتها بهذا السائق العجيب وحكاياته وأفكاره المثيرة.
لماذا يسرع؟ هي خائفة… لا تخافي… انظري… نظرت… نسيت خوفها، غرقت في تفاصيل كلامه . ماذا يحدث؟؟.. لماذا حل الظلام فجأة.. فزعت.. قالت للسائق افعل شيئا، لم ينصت وقال لنصبر سينقشع الظلام ...
إنه أبوها مرة أخرى، ماذا يريد منها الآن؟ أيبعدها ثم يظل يأتي؟ ثم أين عيناه التي ألفت فيهما حباً وحناناً؟ لماذا يريدها أن تترك السائق وعالمها الجديد؟ لماذا ترى تلك النظرة المتحجرة المصحوبة بشفقة تكرهها ؟ لا.. ليست هاتان عينيه اللتين تحب.. ليستا هما.. لن تنظر.. لن تنظر أبداً بعد ذلك. لا تريد لا أن تقلق ولا أن تفكر. السائق وحكاياته تستهويها وتستغرقها، ياله من عالم مثير مختلف، هو نفسه مختلف ...تشعر أنه فقير مسكين ... والطريق طويل يبدو أنه لم يطرقه من قبل، لذا بدا كل شيء له ولها غريباً ومخيفاً وباهراً، وأحياناً كثيرة كان مؤلما… وبشدة.
لم يصلا بعد، وهو لا يكف عن الكلام، هل تعطلهما أعطال الطريق أم أنه الزحام؟ وهل هو غبي؟ كلما اقتربا من جسر رفض أن يعبره وحول مسار السيارة ، لقد أتعبها هذا السائق... أتعبها حقيقة.
سوف تنام، تريد أن ترتاح قليلاً ، ما باله، ألا يسمع؟ هل هو أصم؟ لا يهم سوف تنام رغماً عنه. أغمضت عينيها... إنه يتكلم ويتكلم و يتكلم ...فتحت عينيها.. لم تصدق ما رأت!! هي الآن تقود وهو إلي جوارها.. كيف تحركت، كيف أمسكت بعجلة القيادة ؟؟ قال السائق إنه تعب وإن هذا دورها ..دورها !!!! لم يفعل شيئاً منذ ركبت معه سوى الكلام.
كانت رؤيتها لأبيها مرة أخرى صادمة، إنه في نفس المكان، كيف هذا؟ خلفه ذات المصباح الأبيض الضوء … كيف يكون في ذات المكان؟ هل عادت إلي بداية الطريق؟ نظرت خلفها... يا إلهي.. إنه ميدان... نعم ميدان... منذ ركبت وهى مع هذا السائق في ميدان واحد لم يخرجا منه يدوران بداخله... لقد أخطأ السائق وأخطأت من بعده، إن أباها يتكلم ... يقول اقفزي ... تقفز!!! كيف تترك القيادة والسائق وكل هذه المشاهد والتجارب الجديدة؟... كيف؟ يا بنيتي ليس هناك جديد، الظلام في السيارة شديد لذا لا ترين، إنه ميدان، ذات الميدان لا جديد فيه.
لن تقفز، سوف تخبر السائق….. إنه لا ينصت.. كررت القول لكنه لا ينصت، فجأة هتف قائلاً لها الآن عليك تغيير الطريق انظري هناك أمامك... هذا هو العنوان الذي عنه تبحثين، ادخلي هذا المنعطف، سعدت جدا.. نعم أخيراً ستصل، ياه.. كم كان الطريق الجديد جميلا، به بيوت صغيرة، تبدو دافئة، وأشجار خضراء، سرها جداً هذا التحول في الطريق، خاصة وقد أرهقتها القيادة.
عند العنوان الذي تريد همت بالتوقف.. رفض السائق بشدة وبعنف، فزعت، قالت له هذا هو العنوان، قال لا.. أكملي.. إنه ليس العنوان الحقيقي، ثم ضغط بشدة علي قدمها ليزيد من سرعة السيارة. يا ربي لقد جن السائق.. ماذا تفعل الآن؟؟ ماذا تفعل؟؟ هل تقفز؟؟ أتتركه وحيدا؟ ربما كان حاله أفضل قبل أن تركب معه، ربما يجد راكباً جديدا. هي متأكدة أن هذا ليس طريقها وهو مصر على العكس.. من يعرف أكثر من المحق هي أم هو؟؟
اقفزي ... اقفزي… يا ربي!! إنه أبوها مرة أخرى!! كيف هذا؟ ألم تدخل المنعطف؟ كيف تراه مجدداً وفي نفس المكان؟ السائق ينكر أنهما خرجا من المنعطف على ذات الميدان، وهو لا يرى أباها ولا يري أحداً .
لا فائدة.. إنه لا يسمع ولا يريد أن يفهم. عليها أن تقفز. رفع صوته فجأة وكأنه شعر بما نوت... شعرت أنه يريد أن يشغلها... هتف أبوها بها قائلاً لا تتكلمي.. فقط اتركي عجلة القيادة ثم اقفزي… لا.. لا يمكن أن تتركه هكذا… ستقول له… ستشرح له… افهم أرجوك… نحن لن نصل أبدا، أنت لا تحسن القيادة، علينا أن نترك السيارة والميدان، يبدو أصم ولا يسمع.
لن نصل، أيقنت أن الرحلة أشرفت على نهايتها...لن تقاوم هذه المرة.. لقد قاومت كثيرا، هذه المرة القدر يأبى المصارعة، جاء اليقين.
ستقفز في صمت.. لقد ارتفع صوت السائق وصار مزعجاً جدا.. ستقفز.. ستقفز لن تتردد.. هاهو صوت أبيها.. ها هو وجه أبيها..يا ربي لقد عادت عيناه الحبيبتان.. عادتا… وقفزت .
غمرها الضوء … جرحت رأسها ويدها اليسرى وقدمها، وأكبر جراحها كان في صدرها ... ساعدها أبوها.. أمسك بيدها … اعتكزت على ذراعه، وسارت معه ...
نظرت خلفها لقد تولى السائق القيادة مجددا، لكنه ما زال يدور في ذات الميدان ...ويتكلم... لا أحد معه لكنه يتكلم...
بلال فضل...من حقي أن أسأل
هل هذا ما حدث؟؟
هل تحريت الدقة في نقل ما حدث؟؟
لك الله يا مصر ممن قاموا ولم يكن لهم سوى القعود.
وممن قالوا ولم يكن لهم سوى الصمت.
الأسوار العالية
لا أدري متى غابت، ولكن هذا ما حدث، غابت الدولة عن حاضرنا، عن مشاكلنا عن حمايتنا جميعا، فأشهر كل سيفة وحمى مملكته بطريقته الخاصة.
وهذا ما حدث مع إخواننا الأقباط، غابت الدولة عنهم فوجدت الكنيسة فرصتها الذهبية أو في أفضل الفروض أدت واجبها تجاه شعبها، احتضنتهم، رعتهم، وفرت لهم الملجأ والمأوي، والثقافة، والرياضة، والترفيه وكل ما كان على الدولة القيام به، وأيضا وفرت لهم الفكر، هذا الفكر المعين الذي غرس فيهم ما سمعته بأذني في الثمانينات من القرن الماضي، في إحدى معسكراتهم الصيفية، التي تجاور منزلنا الصيفي بالعجمي "هذا بلدنا نحن...المسلمون حملتهم أسنة السيوف...ودخول الحمام مش زى الخروج منه..." كلام لم أفهمه أبدا حينها، ولكن نهضت وأختي من على الكثبان الرملية التي استلقينا عليها نستمع لهذا الرجل في اللباس الأسود وركضنا إلى بيتنا الصيفي حيث أبي الذي كل كان ما قام به بعد ما سمع منا أن ارتدي ملابسه وقام بزيارة رئيس المعسكر ليشرب معه كوب شاي و ليتعرف الجيران على بعض، وكان مما قاله "هناك أيضا شيوخ يقولون مثل هذا الكلام لأطفال مثلكم...وكل ده غلط غلط...إحنا تربينا في بيت أصدقائنا فيه هم مسيحيون ومسلمون...وكذا كل مصر". في الصيف الذي يليه عدنا للمنزل المهجور في شهور الشتاء لنجد سورا كبيرا يحيط بمكان المعسكر يمنع تسللنا إليه مرة أخري.
ومن ناحية أخرى أجد العذر لكل الإخوان الأقباط في الارتماء في حضن كنيستهم، الإنسان بطبيعته يرغب في الأمان، وهذا يعني العمل، الصحة، الأسرة، أن تحتضنه مؤسسة عادة تكون الدولة فإذا غابت، ووجد هو البديل فلم لا.
ولكن أخطر ما في المسألة أن هذا الاحتضان فصلنا عن بعضنا البعض، البعض تائه يتخبط يستقى أمانه من هنا وهناك، والبعض عرف وجهته ووجد أمانه في هذه المؤسسة المنظمة القوية ذات الجدران العالية.
هذا ما حدث لهم، طيب...ما الذي حدث لنا، طبعا لم تكن هناك مؤسسة إسلامية قادرة على استيعاب 94% من السكان، فكان أن استوعبت بعضهم الجماعات الإسلامية، ربتهم رعتهم وفرت لهم ما غابت الدولة عن أدائه، وكان ما كان ونعرف جميعا ما حدث بعدها. واحتضن فريق آخر "جماعات أخري محظورة" ولا نرى أيه دلالة لهذا الاحتضان سوى العزلة الظاهرة في التصرفات والأفكار والمناوشات مع الدولة في هذه الانتخابات أو تلك.
فيا ترى إلى أين يسير إخواننا الأقباط بمعسكرهم ذي الأسوار العالية.
لماذا لا يتحدث أحد عن التقاليد ويتحدث الجميع عن الدين، طيب الآن لو تمسحت زوجة مسلمة، ماذا سيفعل أهلها الصعايدة؟؟ صراحة هذا ما فعله أهل السيدة المسيحية، ولكن الفارق أنهم لم يفعلوه بأنفسهم وإنما تدخلت هنا مؤسسة دينية في الوقت الذي تنادي فيه هذه المؤسسة وبضراوة بحرية العقيدة، وبالمساواة وبفصل الدين عن الدولة. هذا نتاج مباشر لغياب دولة وقيام أخرى، غياب الدولة الرسمية المصرية وقيام الدولة المصرية المسيحية.
ولكن لو الفرض عكسي فلن يجد الأهل المسلمون من يعاونهم، سوف يقومون بهذا بأنفسهم. بل وعندما يعرف بفعلتهم سيتم تقديمهم إلى المحاكمة وفي الأغلب الأعم سيحكم عليهم.
هذه هي المسألة، المؤسسة الدينية المسيحية خرجت عن دورها وتمارس دور الدولة، ربما ليس لها خيار في هذا، لأنه دينيا عليها أن ترعى شعبها بالمفهوم المسيحي لشعب المسيح ولشعب الكنيسة.
ولكن هل المسألة كما تبدوا لنا؟؟ أم هناك صفقات لا نعرفها بين نظام له طموحات معينة وبين كنيسة لها رؤى خاصة لحضورها ودورها، وتعتقد أن الفرصة حانت؟؟ هذا ما لا نعرفه يقينا ولكن ما تشير له كل الدلالات.
الكنيسة تعتبر نفسها دولة، فهي تهدد من المفكرين الأقباط من لا يعجبها قوله وفعلة أو حتى أفكاره، وتهدد من الرجال المسيحيين من لا يعجبها سلوكه، بل وتمنع عنه الحق الأصيل في الزواج وإنشاء أسرة لأنه كان "ولد وحش..عمل حاجات شريرة في زيجة سابقة" إذا ما هددت فأنت يقينا تملك ما تهدد به، تملك ما يمكن أن تسلبه من المهددين، تماما مثل من هو على استعداد للاستشهاد، فهو مستعد لمعركة، لا يستشهد أحد وهو في حفلة، لا سيتشهد أحد وهو قاعد على الكورنيش في وصلة حب، ولا يستشهد أحد وهو ممسك بيد أخوه في الوطن ينشدان معا النشيد الوطني لهذا الوطن. الكلام له دلالات، ومنذ زمن كان أبي وهو يربينا يقول "فكر فيما تقول، قبل قوله لأن الكلام ما وجد إلى ليعبر عما تفكر به" وكانت أمي عليها رحمة الله تقول "عد لعشرة قبل ما تتكلم"، إذا كنيستنا المصرية لديها قوة وتملك وستسلب ما أعطت أو على أقل تقدير توقف عطاء معينا لمن لا ترضى عن أفكارهم!!
لماذا غابت الدولة؟؟ لعدة أمور أهما:
1-شخصنة كل شيء، الهدف والغاية بل والإيمان ايضا، تحول من إيمان بقضايا إلى إيمان بأشخاص.
3- لغياب المشروع الوطني وحضور المشروع الفردي العائلي ( للرئيس وأسرته ولولده من بعده) لكن أين التنمية؟؟ أين المساكن؟؟ أين النهوض بالبلد صناعيا؟؟ أين... أين... أين... نهر النيل والزراعة ما قامت عليه مصر بوجودها وكينونتها؟؟
4- الغياب التام للشفافية، لا تعرف ما يأتي ولا تعرف أين ينفق ولا ما مصيره.
5- التغييب التام للقيادات الشابة وقيام البلد على مجموعة كبيرة من الكهول لا يعرفون مما يدور حولهم في العالم إلا يعطى لهم، فلا يستطيعون بهذا البلد نهوضا ولا لمشاريعه القومية إتماما. ويتفرع عن هذا ما دأب عليه النظام من المد لمن يرضى عنه في وظيفته عاما تلو الآخر مما أدى إلى تأقيت المشاريع وعدم وجود خطة طويلة الأمد لإتمام أي شيء.
6- غياب الأمن الاجتماعي في حضور قوي للأمن السياسي مما يمنع التطور ويجعل النظام في حالة خوف دائم من تهديد قادم لا محالة.
7- تواري المؤسسة التعليمية وراء روتينيات ومصالح شخصية ترفع في كثير منها شعارات التوريث كذلك...وعجبي.
8- تواري المؤسسة الدينية الرسمية وضعفها عن توجيه الحكام بل وعن إصلاح منظومة الأخلاق التي تنهار وتزداد سوءا يوما بعد يوم.
9- العمل في مصر والعين على الغرب طلبا لرضاه مع العلم اليقين أنهم هناك لا يرغبون في نهوضنا وليس لديهم قطعا أية نية للمساهمة في إصلاح أحوالنا.
إذا ما نظرنا لبعض الأسباب التي ذكرتها آنفا نجد أنه من غير الممكن أن نشهد قريبا قياما للدولة، مما يعني أن الدويلات الصغيرة الناشئة، والتي قد تنشأ، لن تجد من يردعها عما تفعل ولن تجد من يعيد سلطاتها و أذرعتها الممتدة إلى أصولها الطبيعية.
أمام الجدران العالية سيبني المسلمون أيضا جدرانهم الخاصة وهذا ما نراه اليوم في إدعاءات البعض مما أطلق عليها الدكتور العوا "سفاهة"، والقادم لن يعلمه إلى الله.
إن التغيير الآن هو المنجى الوحيد، عقد اجتماعي جديد بين الشعب وبين دولة يختارها، بمحض إرادته، هو السبيل الوحيد للخروج بوطننا من هذا المأزق الذي يكاد أن يكون داميا.
الأزمات كلها تقودنا إلى المربع صفر "التغيير" إرساء قواعد حقيقية وشفافة لتداول السلطة.
لا يغيب عن ناظري مشهدان:
سنغافورة حيث جميع دور العبادة بجوار بعضها البعض بأسوار صغيرة جدا لا يتجاوز ارتفاعها 50 سم، وتحيطها مساحات عشبية جميلة تبعث السلام في النفوس.
مشهد رجل كبير يفتح باب البيت القديم ليصرخ مش معقول ميشيل...رجعت إمتى، والتاني يحتضنه ويبتعد بوجهه قليلا ليقول له والله وشاب شعرك يا ميمي...وأنا أشد يد أمي وأقول لها هو بيقول لأبويا ميمي ليه؟؟
هذا الرجل أحبه وأعرفه حق المعرفة وهو فارس في الحق، فارس في الأبوة فارس في حب ربه فارس في حب وطنه.
إن الله يدافع عن الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور.
إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم.
وعلى الله قصد السبيل.
بيني وبين ولدي ذي الست سنوات
ماما...
ماما...
ماما...
نعم يا إبني ماما ماما ماما هو فيه إيه
ماانتي ما بترديش
مانا بعمل حاجة...خير يا سيدي
عايز فلوس أكثر في النادي
ليه
هشتري حاجة من المعرض
حاجة إيه
أي حاجة وخلاص
مفيش حاجة اسمها كده... لما تشتري حاجة لازم تكون عارف هي إيه ولازم تكون محتاجها، مافيش شرا من أجل الشرا
يعني إيه من أجل
يعني علشان، المقصود مفيش شرا لمجرد إنك تروح وتشتري لازم يكون هناك سبب واحتياج
هو إحنا فقرا علشان كدة مش عايزة تديني فلوس
مالهاش دعوة بالفقر يابني
ماما ماردتيش على سؤالي هو إحنا فقرا
حبيبي الفقر مش عيب وربنا بيحب الفقر أكثر من الأغنيا
أمال سايبهم فقرا ليه
بيختبر الأغنيا
إزاي
بيشوف هيدو الفقرا فلوس ولا لأ
طب ما يختبر الأغنيا علطول...
مش عارفة يا سليم
مش عارفه إيه
مش عارفة أرد عليك
إزاي مش إنت أم
أيوة بس الأمهات مهندهاش كل الأجوبة
ضاحكا بلؤم....طب الأمهات عندها فلوس علشان النادي؟؟
....................................................
.....................................................
ماما
نعم
هو إحنا ليه مش عايشين في بيت بجنينة
هو ده البيت اللي ربنا رزقنا بيه، وده بيت أصلا رائع وآلاف الناس تتمنى يكون عندها بيت زيه، وبعدين إحمد ربنا يا سليم في ناس معندهاش بيوت وعايشين في الشارع...
هو إحنا فقرا...
يابني من كتر ما بتسال هو إحنا فقرا هنفتقر، وبعدين الفلوس مش كل حاجة المهم إن إحنا مع بعض وإن بابا في وسطنا وإن إنت وعايدة كويسين... إنت عارف لسه بابا جايله شغل في دولة بعيدة وبمرتب مكبير ومارضاش يروح علشان يفضل معانا وما نتفرقش...
هو فعلا عمل كده...
أيوة يا حبيبي
إلتفت للأب الجالس على مكتبه يعمل...إزاي يا بابا تعمل كده إزاي...إنت مش عايز تبقى غني زي كاكا وزي مسي لو عزت موتيسكل تجيبه ولو عزت تروح أسبانيا تروح ولو عزت تروح نادي برشلونة تروح...مش عايز ولا إيه...
لأ مش عايز يا سيدي... وبعدين دول لعيبة كورة...إحنا شغلنا هنا...قالها وهو يشير إلى رأسة وزاد...وبالورقة والقلم...يا سليم...إحنا اللي بنبني بلدنا حته حتة من كل ركن، من مكتب محامي يدافع عن الحق، من مكتب قاض يحكم بالحق، من مكتب مدرس بيدرس بضمير، من مكتب دكتور بيعالج الناس بأمانة...هو ده اللي بيفضل يا سليم...لكن تعد تسافر وتتنطط وتجري ورا الفلوس مش هتبني حاجة خالص...
تاني يوم على الفطار قال الولد بهمس لأمه...ممكن أسالك سؤال...
ايوة إتفضل...
هو بابا ينفع يرجع في كلامه ويوافق؟؟
مقدرش أقول كله تمام
كله تمام...
مقدرش على ده الكلام...
علمتونا...
على مد الزمن من الأيام...
إن اللي جاب بلدنا وراه...
السكوت عند الحكام...
مش مطلوب أحكام..
مطلوب توجيه النصح لبعض الأنام...
نقول الحق...في كل أوان...
من غير حسابات ولا أوزان...
هنحط راسنا ...
وباطمئنان ننام...
الجديد مش زي اللي عاش عمره في المكان...
الجديد مش لازم عشان يثبت إنه مش بيوٍن...
يقلب الميزان...
الجديد لازم يسمع ويقيم في ضوء حقائق مش أوهام...
لابد ما يحسس الناس بالأمان...
يدوه من غير طلب وقبل الأوان...
ما ينفعش يقول أنا المصحصح وسط النيام...
نيته صادقه عارفين...
لكن تصرفات غريبة شايفين...
نقول ولا نعمل زي الناس التانيين...
اللي هاريين فروة الجديد بالشمال واليمين...
وبيقولولك كله تمام وآمين؟؟؟
اللي بيني وبينك عشم و أبوة سنين...
لازم تسمعني...
بحكمة ...معتادة...بعيد عن اللايمين...
رسالتي تمام؟؟؟
ولا لسه شايفها أوهام؟؟
وعفرته بدون داع... ومجرد إتهام؟؟
بيني وبين عمي كلاكيت ثاني مرة
يابنت الاربعين...
يا غاليه علينا....
اليك اهدى زفرتين....
اهنئك....
فليس حراما ان نهنى الاقربين....
والذين لا يقروا ذكرى اويوم ميلاد....
انما هم يزودوها حبتين....
كل سنه وانت طيبه يا بنت الاكرمين...
عمك ذو النيف والسبعين....
ورديت عليه...
الله ياعمي ع الكلمتين....
من قلبك طالعين....
علي قلبي منفدين....
عايز تعرف حاجة...
بيني بينك مرتاحة....
ع الهادي كده واخداها...
حلوة الاربعين ....
طالما مش عايزين...
غير ستر رب العالمين....
وتكونو دايما معانا ...
دربنا منورين...
مش هما اربعين...
لكن لسة بنبصلكم زي ما انكون عيال صغيرين...
من الكبار مستنيين...
كلمة ...نظرة... تطمنا...
اننا علي نفس طريقكم ماشيين....
ربنا يخليكو...ويبارك فيكم...
ونكمل سوا اللي ماكتوب لنا... ع الجبين...
لماذا نعم للبرادعي؟؟
ارسلت هذه الرسالة لأبي منذ أمد، ولبعض من أثق فيهم من المفكرين المصرين...
نشرها أبي داعيا التلاميذ والأبناء للحوار حول محتواها...وها انا انشرها اليوم....أدعوكم للمساهمة في هذا الحوار...
لماذا نعم للبرادعي؟؟
من جيل الوسط إلى جيل الآباء
أكتب غيرة على وطني الذي أنتم عليه أحرص وبه أعلم، وددت أن أبثكم ما يعتمل في صدري وصدر كثيرين ممن ينظرون إليكم قدوة ومثلا وأملا لوطن على حافة الهاوية.
على مر الأبعين سنة الماضية شاهدت بأم عيني وصول مشهدنا لامصري الآني للآتي:
1. لقد عمت الفوضى كل أرجاء الوطن وضرب الفساد بأطنابه كل ركن في بلدنا دون فعل جدي من المسيطرين على زمام الأمور لتغيير الواقع بل بمساهمة منظمة منهم في زيادته.
2. إنهارت كل المرافق الرئيسية، التعليم والصحة والمواصلات، وحتى النهر الذي وهبنا هذا الوطن، يفرط في حقوقنا التاريخية فيه بمزاعم عدة مبعثها إما جهلا أو ضعفا، مما لا يهدد فقط المستقبل، ولكن يهدد حالة الوجود، حالة الكينونة المصرية.
3. لم تتداول السلطة في مصر منذ إغتيال الرئيس السادات.
4. توغل أصحاب الأموال بحيث أصبح كل ما في البلد للبيع وكل شيء له ثمن، إلا الإنسان المصري الذي رخص إلى درجة إطلاق الرصاص عليه وهو يحاول أن يبحث عن لقمة العيش الحلال في الدول المجاورة، إطلاق الرصاص من قبل جنود بلده لأنه يحاول التسلل خارجا من البلد!!
5. لا توجد مشاريع نهضوية مصرية، أجهض المشروع الإشتراكي الناصري بموت عبد الناصر والمشروع الساداتي ولد بلا جذر فمات بموت منشئه، لم يحل محلهما كما كان متوقعا المشروع الإسلامي، الذي انحسر اليوم في خمسة فرق إن صح التعبير:
a. الفريق التائب، السجناء القدامي، مبادرة نبذ العنف أخرجتهم نعم، ولكن أخرجتم جلوسا، لا يقف فيهم أحد، ولا يتصور وقوف أحدهم في القريب بعد تضحيات لا يعلمها إلى الله دفاعا عن ما ظنوه حقا، من عمر وعائلات عاشت تحت القهر الأمني، بعد تلك الأثمان الهائلة التي دفعوها لا يتوقع أن نرى منهم مساهمات في الحياة السياسية.
b. الإخوان، وهم يدفعون أثمانا غالية لما لا يشترون، لا فعل، هذا هو شعار ما اعتقدنا أنه قوة الشارع الضاربة، تلك القوة الضاربة التي لانراها يوما إلا في الجنائز.
c. الوسطيون، أو اصحاب المشاريع المستقلة، لا يستطيعون خروجا من عباءة الإخوان ولا يعرفهم رجل الشارع.
d. المشايخ، هم أفراد وأحيانا فرق عدة "جبهة علماء الأزهر" ولكن انحسر دورهم إما في الفتوى أو في التصدي لفساد المؤسسة الدينية وتدجينها ويالها من مهمة تستغرق بدل العمر الواحد أعمارا، فحفظهم الله لها.
e. الدعاة الجدد، نوع جديد من المشايخ لا يخوض حروبا حقيقية، قضاياه شكلية تفرغ الطاقات بلا مردود حقيقي على قضية الوطن الكبري.
5. فقدت مصر ريادتها العربية. تنطلق الكلاب السعرانة بعد مباراة كرة قدم ليقول أحد المذيعين بالنص داعيا الجماهير المصرية إلى أن "اذهبوا لكل بيت...أطردوهم...كل بيت لا تتركوا أحدا...." بلا حساب وبلا مراجعة من أحد.
6. فقدت مصر ريادتها الإسلامية. مثال ذلك قيام شيخ الأزهر بالتطوع للقاء حاخامات اليهود من تلقاء نفسه مدا ليد العون لليهود الغلابة يا عيني...
7. فقدت مصر ريادتها الإفريقية. إلى الحد الذي تقوم فيه السعودية بدور الوسيط للمصالحة بين السودان وتشاد. وقطر بدور المصالح بين الفرق الدرفورية المتناحرة.
8. أطلق النظام الحالي وسائله الإعلامية في حملة منظمة منهجية لتحويل الشعب المصري من شعب مثقف، عامل، إلى شعب خامل تحورت لديه منظومة الأخلاق التقليدية، أو شعب منهك، متعب، كفاحة لا يقوده إلى أية نهاية منطقية، تمحور هدف الغلابة والمطحونين حول ربح المسابقات التي تقدم الشقق والسيارات، نشهد تدهورا حادا في الخطاب والتفكير، الأمر الذي أوصل تكتل المعارضة الوحيد الذي يتحرك في الشارع إلى تبني شعار غريب في محاولة لخلق حراك إجتماعي وسياسي ضد التوريث المرتقب، الشعار يدل على الثقافة المصرية الحالية "ما يحكمش".
9. لا يوجد قادة واضحون، أعني قادة يمكن أن تكون لهم منابرهم التي منها يخاطبون الناس ويجمعون القوة اللازمة للتغيير.
10.أحدث النظام لبسا خطيرا في مفهوم الأمن القومي وفي تعريف من هو العدو. ساهم هذا في خلط الأوراق المصرية وتقليص "لحد العدم" دور مصر الداعم للقضية الفلسطينية.
11.فقدنا الأمان بكل جوانبة، الإجتماعي، السياسي، القومي لا يوجد إستثناء، يخطف الأطفال ويقتلون أو يعتدى عليهم في جرائم وحشية تعود بنا إلى القرون الوسطى وإلى عصور ما قبل الأديان ولا يتحرك أحد، تقتل أسر بأكملها ولا يجد الأمن الفاعل، وتحفظ القضايا أو تلفق، تفبرك التهم للمتهمين في قضايا الرأي العام ولا يتحرك أحد. أصبحت مصر وفقا للتقارير الدولية مركزا مهما ونشطا للإتجار في البشر، ولا تفعل الحكومة إلى الإنكار.
12.أظهرت الوسائل التقنية نمطا جديدا من المقاومة متمثلا في المدونين، حركات شبابية كحركة 6 إبريل وغيرها، صاحب هذا إضرابات عمالية واسعة النطاق إعتراضا على السياسات الإقتصادية للدولة ولكن كل هذا يتم بعشوائية شديدة وبلا قائد حقيقي يقود ويفكر ويصنع التغيير.
13.لقد وصلت مصر، وطننا الذي لا وطن لنا غيره لمرحلة غير مسبوقة من التردي.
14.من قلب كل هذه الظروف السابقة تخرج الأقليات في محاولات يائسة للحصول على حقوقها، أو في محاولات مستقوية بالغرب للحصول على ما يمكن أن تفرزه حقبة الضعف هذه من مكاسب وإن كانت غير عادلة.
ما العمل لتغيير هذا الوضع غير المسبوق في التاريح الحديث لمصر، والهاجس الأمني، المعتقل، البهدلة، تتربص بكل معارض علني للنظام، وخصومة النظام فُجر مع معارضيه وتربص بالعِرض والمال والولد.
التغيير لن يأت من الشارع في غيابة الزعامة، لم ينزل المصرييون الشارع طوال تاريخهم إلا مرات معدودة وكانت مصحوبة بوجود زعامة تحرك الأمور أو تفرضها فرضا.
اليوم في غياب هذه الزعامة لن يتحرك المصريون إلا تلك الحركات العشوائية التي لا تقود إلى شيء، تعبر نعم عن غضب عارم، إحتجاج هائل ولكن...ما النتيجة علاوة هنا علاوة هناك وتخمد الأصوات في مسيرة الأفواه الجائعة والتعليم و...و..و...
اسمينا جيل الوسط الذي تربى على موروثات التعذيب في السجون ورايى المعارضين يطاردون وينكل بهم، وشاهد السادات يقتل في منصته ووسط رجاله، وشاهد كذلك الإسلامبولي في القفص يلوح بعلامة النصر، عشنا رعب الدم في الشارع والمواجهات المسلحة على قارعة الطريق، عشنا خوف الأهل علينا ودفعهم بنا إلى التعلم، كنا صغارا نسأل... نود أن ننضم لتلك الحركة أو هذه فكان الرد إكبر، تعلم، قم بما عليك، ثم افعل ما يحلوا لك، وعندما بلغنا هذا القدر الذي به لذنا... من نتبع...ما المنهج من المحرك الذي يمكن أن تأمن له وتطمئن إلى إستقامته فكان الصمت والغضب يعتمل في الصدور، هذا هو نحن هذا هو جيل الوسط. لو كان هذا حالنا فهو حال المصريين في غالبهم، فلا أحد يود لإبنته أن تبيت في القسم لتصبح مباحة لعساكر الدرك، ولا أحد يود ان يضيع مستقبل ولده في تلفيقة قضية ممنوعات انتقاما من رغبة تتبعها حركة لتغيير لن يحدث.
نعم هناك ثمن إن أردنا أن نغير، ولكن ثمن بلا نتيجة لا حالة ولا متأخرة، لن يقدمه أحد. هذا الشعب ليس شعبا دمويا، لن يكرر صورة الثورة الفرنسية إلا إن كانت ثورة جياع، وهذه حالة فوضى لا تتصور. ولا يريد أحدا تغييرا يدفع ثمنه المآت من أرواحهم بلا نتائج مرحب بها، لا تؤكد على التغيير أو على تداول السلطة.
اليوم يأت من لا يقدر عليه النظام، من لن تسكته معتقلات، ولن ترهبه التهم، من لا يستطيعون له إغتيالا في جنح الظلام، من نجح بعيدا عنهم ولا يدين لهم بشيء. يأتي بكلام معقول وتوقعات منطقية، هل هي خطة أمريكية؟؟ هل هو عميل؟؟ هل هو ...هل هو...
الرجل يقول كلاما منطقيا، وهو ليس مرشحا بعد، ولم يعقد الأمر على شيء محدد سوى الرغبة في "أن أكون أداة تغيير":
العدالة والأمن الإجتماعي
لابد من العدالة لهذا الشعب
لابد من خلق إنسجام إجتماعي
لابد من سياسات واضحة للقضاء على الفقر
الظلم والقهر
لابد من التخلص من الهاجس الأمني والتفسير الأمني لكل متغير
دوليا
مصر انسحبت من دورها الإقليمي وحلت محلها تركيا وإيران
لابد من عودة الريادة المصرية
الحرية الشخصية
نعم للنقاب، إنه حرية شخصية، هو ردة للخلف نعم، ولكن طالما يمارس في حدود لا تهدد المجتمع فالأمر لأهله
المواطنة
لا أمانع أن يكون الرئيس مسيحيا أو سيدة
سياسيا
لابد من تداول السلطة
مستعد للتعاون مع الإخوان ومع من كان
لا خصومة لي مع النظام الحالي إلا الوضع الذي آلت إليه الأمور
العلاقة مع العدو
مصر وقعت سلاما منفردا مما أثر علينا إلى يومنا هذا
فلسطين
لابد من حل القضية الفلسطينية، التي تتم اليوم تصفيتها
لابد من فتح المعابر إن كنا سنغلق الأنفاق
متوقع غاب الإخوان وأي إسلامي مستقل، بل والحركات الإسلامية الشابة إن صح التعبير.
هذا الإلتفاف، ليس لأنه أمريكي، وليس لأنه قادم من الخارج، وليس لأنه حاصل على جائزة نوبل، هذا الإلتفاف للأتي:
1- هو فرد مستقل، لم يعرف له إنتماء ايدلوجي معين، فهو إذا بعيد عن التناحر السياسي الدائر في مصر والموروثات والإتهامات التقليدجية (انت إخواني- إنت يساري- إنت مع مسيحيي الخارج...إلخ إلخ).
2- لن يستطيع له النظام "مسكه" فهو قوي بدوليته، وبعلمه الذي لم يكن جراء لواسطة أو لتدبير من الحزب الحاكم.
3- عرف بمساندته للعدالة الدولية "لم تملك العراق سلاحا نوويا قبل الضربة الأمريكيـة، عرضت على إيران مخرج التخصيب الخارجي، لست مع العنف الدولي، والضربة الأمريكية الإنجليزية كانت لتغيير النظام".
4- هو مصري ناجح يؤكد قوة المصري في وقت يعاني فيه مصري الداخل كل ألوان الذل والهوان.
5- أهم من كل هذا، هو خاطب علنا النظام بانتقادات قوية واضحة لا لبس فيها.
6- صدق فعله قوله حيث تبرع بكامل قيمة جائزة نوبل للعشوائيات وفقراء مصر.
7- عززالإلتفاف حولة شعور المصرييون بالأمان، فأفكاره ليسم هم مروجوها رغم أنهم معتنقوها، ليس هناك ثمن كبير محتمل سيدفعوه لو التفوا حوله غلا ضربة هنا وضربة هناك، فهو موجود بهم أو بدونهم، وإحتمالات التخلص منه بالطرق التقليدية لن تكون ناجحة.
8- هو ابن الطبقة الوسطى المثقفة، يرسخ وجوده نجاح قيما غائبة عن الساحة، التعليم، الثقافة، النجاح بلا واسطة.
اليوم مصر في حاجة إلى مرشح رئاسي توافقي، قائد يفهم كيف يستمع للرأي الآخر، رجل يدرك أن التفاهم مع الخصوم لا يعني التخلص منهم ورميهم في غياهم الجب سواء كان الجب جب سمعة تدمر أو رزق يغلق بابه أو اسرة تشرد، مرشح يثق به الشعب، يثق أنه لا أطماع شخصية له، مرشح ليس إسلاميا ولا ناصريا ولا يمينيا ولا ليبراليا، مصر في حاجة إلى مرشح وطني فقط.
بعيدا عن نماذج كثيرة وقفت في وجه النظام في الإنتخابات الرئاسية السابق، نماذج لا ترسخ المفهوم المصري للزعامة بل وتمثل في كثير من تصرافاتها ما يرفضه المصريون. لقد رأينا محترموا الداخل يمتنعون، عندما قام البعض بترشيحات مصرية من المفكرين المعروفين لمثل هذا الدور جاء الرفض منهم ومن أسرهم، نأيا بهم عن معترك لا ضمان فيه للإحترام وللمكانة الأدبية والتاريخية للأفراد.
اليوم، نحن لا نعرف حتى إن كانت هذه فرصة تاريخية، لحظة فاصلة أم لا، ولكن من أين أتى أحمد عرابي؟؟؟ من أين أتي سعد زغلول، بل ومن أين أتى جمال عبد الناصر، وحسن البنا ألم يكن متسللا من الإسماعيليةJJ كانت لحظات تاريخية أطلقتهم كالشهب، ولكن في كل تلك اللحظات التاريخية التوافقية للأمة، لم يكن هناك يقين قطعي بقدوم التغيير، ولكن تحركت الأمة بتحرك القائد، وخمدت الأمة بخموده لأن آلية التطور غابت، آليات الإستمرار لم يهتم بها أحد، وهذا ما يميز رجلا كالبرادعي، الناس لا يريدونه هو قدر ما يريدون ترسيخ الآليات التي ينادي بها.
اليوم تأتي لحظة جديدة، هل يعزف المفكرون والأفراد المؤثرة في المجتمع عنها شكا في الرجل، هل هو الرجل أم هل هو الوطن، لم لا يؤيده المصريون، حتى لو كانت حالة نرجسية ورغبة غير قائمة على إدراك حقيقي للوضع الحالي في البلد. إن أفرز الإلتفاف حوله والمساهمة في تغيير الوضع الحالي نتيجة إيجابية فبها ونعمت، وإن لم يكن ما نأمل فلن يكون هناك تفريغا للطاقات أكثر مما نحن فيه.
إن كان هناك دستوراجديد في طور الإعداد، مشروعا يجمع الأمة حوله، أتتركه جموع المفكرين؟؟ إن وجود الجمع الأكبر للمفكرين داخل هذه البوتقة المتفاعلة سيضمن عدم تفريغ هذه الفرصة من مضمونها سيضمن أن دستورا جديدا يعد كدستور 23 لن يتضمن فقط الشكليات مثل حق المرأة مقابل طمس الرجل وطمس الأسرة، وحرية الأقباط فقط دون إلتفاف مثلا للنوبيين، وجود جيل الآباء من المفكرين والمثقفين في هذا الجمع سيؤكد القضاء على الفساد بتكامل ، وعلى ري الجذر الحي لهذا البلد ليضرب موصلا تلك الاشجار المنبتة الصلة ببعضها البعض خالقا لنا وطنا جديدا!!
إن لم يكن هذا... فدلونا... نحن جيل الوسط على الطريق، صحيح نحن اليوم الجيل الأربعيني ولكن مازالت بوصلتنا معكم ...مثقفي هذ البلد اللذين يخلقون الوعي العام لنا، نحن وكثيرين.
إن لم يلتف أهل الثقة حول الرجل مات المشروع وترك لعبث العابثين، وإن إلتفوا وجد البناء بتمام الأركان وتقويتها.
ليس المهم الآن كيف ستكون مصر التوافقية، إسلامية، إشتراكية، ليبرالية، المهم أن تكون مصر، المهم التغيير، الأغلبية إذا ما سنحت لها الفرصة ستأتي بما تريد وبمن تريد. نريد مصرنا التي حلمنا به والأمر في أيدي مثقفي البلد وساسته من البعيدين عن النظام الحاكم. إلتفوا حول الرجل حولوا الفرصة إلى شعلة لا تنطفيء، هذه مصر...وطننا ...بلدنا وبلد أولادنا من بعدنا.
أخبار الصباح من عزبة اللي اختشوا ماتوا....
· أهالي قرية المريس (على ما أظن) يدعون السيد رئيس الوزراء لقضاء شهر العسل في قريتهم في محاولة يائسة ليتدخل حماية للقرية من قرار إنشاء مرسي يخوت مكان القرية مما يستتبع نزع الملكية وتعويض الأهالي ( هذه بالطبع ممارسة مشابهة لما فعلته عصابات صهيون مع أهل فلسطين...نزع ملكية وتشريد ولكن بلا تعويض) المهم...نزع الملكية كما عرفناه هو لضرورات الصالح العام...حد ابن حلال كده يقولي ما هو الصالح العام في موضوع اليخوت ده...هل سيكون هناك يخت لكل مواطن ولا إيه الموضوع...
· عضو مجلس الشعب الهمام...يدافع عن التجارة في الآثار...ويريد تضمين القانون الجديد للآثار نصا خاصا بهذا الأمر...هذه دعوة للجميع للحفر...هيا يا بناة الأهرام...إلى المعول...كله ياخدله حجرة من الهرم...نبيع قطاعي ولا جملة...ها إيه رأيكم...
· دخل الحديد التركي الرخيص لمصر، نجدة للشباب والرجال لبناء بيوتهم وكسرا للإحتكار الحاصل في بر مصر، لا...لا يمكن كيف بعد تحرير مصر من الأتراك في صورة العثمانين وأسرة محمد على نترك لهم الحبل على الغارب ليدخلوا مصر متسللين في صورة اسياخ حديد...افرض ضريبة على المستورد...ارفع سعر المصري والحل في غزل الحبل..... ليتحول لخيم إيواء لحديثي الزواج...ده في خيم حلوة أوي ...الخيمة بتنزل بالحمام الخصوصي بتاعها...L
· يموت الطلبة في مصر من ضرب المعلمين لهم، بل ونسمع كل يوم عن الطالب الذي فقد عينه، والآخر الذي بترت يده والثالث الذي هاجمته أزمة قلبية خوفا من المدرس....كل هذا والضرب والعقاب البدني ممنوع في المدارس، صراحة هذا لا يجوز لابد من أن نشرع لمثل هذه الأحداث ولابد من حماية المعلم حفيد دراكولا الذي يتلذذ بمص دماء الطالب (لا ندخل الآن في محور من أفرز مثل هذا المعلم)، لابد من عودة الضرب إلى المدارس....لأن معالي الوزير كان بينضرب لحدج ما تورم إيده وتاني يوم يرجع المدرس يكمل عليه... لما إيده ولا مؤاخذه...تفش...يا حلاوة يا ولاد....
هما اللي اختشوا حصلهم إيه...فكروني كده...آه ماتوا...وأكيد إحنا هنحصلهم...بس مش بسبب الخشا...بسبب النقطة...
بنذاكر للعيال...*
بذاكر للعيال وروحي طالعة...
بعدد شعر راسي متخانقة...
مش كان زماني مرتاحة من دي زنقة...
لو في المدارس الامريكاني العيال متاخدة...
ده حلم كان...
الآن أصبح من الإستحالة بمكان...
بعد ما سمعنا عن كتاب التاريخ واللي متقال...
عن ما حصل عندنا وعندهم من زمان...
آل ايه ثلاثة عيال...
بعد النازي ما خد اهلهم والمال...
علي أرض جديدة كان المآل...
والسؤال...
للطالب المصري ابن الناس التقال ...
حفيد تلات حروب على التوال...
اوصف فرحتك يا قطقوط...
لو انت مع العيال دول ...
و خلاص علي حدود ارض الجدود...
لا... خليني احسن...
مزنوقة في المذاكرة مع عيالي...
لإن أنا سؤالي...
اللي مع حليب الأم رضعته ...
وفي كل شبر من بيتنا سمعته...
ايه شعورك يا ولدي...
وانت بسلاحك الصاحي...
بترجع لأحفادي...
أرضي ووطن أجدادي...
* من قبيل الأمانة..لا أذاكر وحدي...ولكن يذاكر لهم أيضا زوجيJJ