قالوا لى بتحب مصر، قلت مش عارف أنا لما أشوف "مصر" على الصفحة بكون خايف ما يجيش في بالي هرم، ما يجيش في بالي نيل ما يجيش في بالي غيطان خضرا وشمس أصيل ما يجيش في بالي عرابي ونظرته في الخيل ولا أم كلثوم في خمسانها ولا المنديل ما يجيش في بالي العبور وسفارة إسرائيل قالولي بتحب مصر، أخدني صمت طويل وجت في بالي ابتسامة وانتهت بعويل تميم البرغوتي... انتهت بعويل هذا ما اشعره في قلبي كلما مرت علي أخبار المعتقلين...

أيام حلوة وأيام لأ...

(1) صباح الفل وسط الظلام الحالك في الغرفة يرن جرس المنبه معلنا الخامسة والنصف فجرا، يرتفع صوتها قائلة لزوجها: اقفله من فضلك يا حبيبي... يسأل: هتقومي إنت؟ أيوه يا حياتي، تقوم متثاقلة تضع الشبشب الموضوع بجوار الفراش في قدميها، تتجه نحو الباب، تتذكر أنها نسيت الهاتف بجوار زوجها، تعود أدراجها وتأخذ الهاتف وتتسحب خارجة. تدخل الحمام تتوضأ وتغسل أسنانها بالفرشة محدثة طرطشة من المعجون على المرآة، تتمضمض سريعا وهي تنادي: صباح الفل....يلا يا ولاد الباص زمانه جي، لا أحد يرد من الصغيرين، تدخل غرفتهما وتفتح النور وهي ترفع صوتها: يلا...عباس وفتكات يلا... قيام... أصلي... تكونوا دخلتم الحمام وغسلتم وشكم وخلصتم..مش هنلحق الباص. تتعالى التبرمات: بطلي يا ماما حكاية عباس وفتكات ديه. يوووهه عايز أنام شوية. ماما.. أنا جيت متأخر إمبارح من الدرس والدور على عايدة علشان تدخل الحمام الأول. تبدأ في الصلاة ومازال الولدان يتشاكلان: إنت الأول الدور عليك... لا عليكي إنت يلا. يدخل الصغير وهو متبرم إلى الحمام، تنهي الأم صلاتها وتتجه لفراش ابنتها تحضنها تدغدغها والصغيرة تضحك، يأتي الصغير مسرعا من الحمام: إشمعنى هي بتدلع يعني؟، تهجم أمه عليه تضمه بينما تمثل دور مصاص دماء يحاول أن يشرب دماءه من رقبته، يضحك الصغيران بينما أمهما تتجه للمطبخ وتقول: تكونوا قدامي فورا...يلا يا كسلانة قومي لسه هنسرح شعرنا ونربط رباط الجزمة وتحطوا مصروفكم في شنطتكم وتاخدوا الأكل يلا ما فيش وقت للدلع، تتجه الأم للمطبخ بينما الصغيرة تزحف من على السرير متجهة للحمام. بينما الأم تضع الإفطار إذا بالصغيرة تصرخ: ماما...ماما، هذه النداءات المتكررة التي تكرهها الأم، تسرع الأم للحمام غير راغبة في أن يستيقظ الأب على أصوات صراخ الصغيرة، متجهمة وغاضبة تسأل: إيه فيه إيه؟ إيه السريخ ده كله، تتصنع الصغيرة البكاء وهي تقول: اتفضلي ابنك برضه راشش البيبي في كل حته؟ اقعد ازاي أنا بقى هو فاكر التوليت جنينة يسقيها بالبيبي بتاعه؟. معلش نظفيه وأنا هعاقبه. تعود الأم أدراجها للمطبخ. يأتي الصغيران وقد ارتديا ملابس المدرسة، تضع الأم أطباق الإفطار، وقبل أن يتبرما تقول: مافيش فطار تاني كلوا اللي قدامكم، يقولان في صوت واحد: حااااضر. ينهي الصغيران الإفطار ويأخذ كل منهما زجاجة مياه وحقيبة صغيرة بها طعام المدرسة، يضعان حملهما في "شنط" المدرسة، يضعان "جاكتات" المدرسة، تطلب منها ابنتها أن تساعدها في إغلاق السحاب، تفعل الأم بينما تعطي الابنة ملاحظات أنها كبرت ولابد أن تفعل كل شيء بنفسها دون سؤال الناس. يستعد الصغيران لحمل "شنط" المدرسة، تسألهما الأم على فين؟ لسه نصف ساعة، يصرخان في وقت واحد: حرام عليكي يا ماما كنت سيبتينا نايمين، تضحك الأم بينما تجلس على كنبة غرفة الجلوس، وتضم كل منهما تحت أحد ذراعيها وتميل مقبلة خدودهما، يسألها الابن: إنت هتتأخري انهارده في الشغل، تقول له: إن شاء الله لا. عايزك إنت اللي تحضري الغدا، أكل هند بقى تقيل أوي. حاضر يا فندم. ترن مشرفة الأوتوبيس على محمول زوجها ترد عليها بينما ينزل الأولاد لركوب الباص، وتدندن الصغيرة وهي تنزل على السلم: “صباح الفل ...صباح النور ...صباح القشطة...ماما إيه الفرق؟” تضحك أمها وتقول “انزلي وبطلي لماضة’، بينما تهم بغلق الباب لفت انتباهها ورقة على السلم عليها شعار الفيس بوك، مكتوب عليها "انزل 25 يناير"، شعرت بزوجها وراءها يسحب الورقة من يدها ويقول معلقا: “ده بكره... يكونش العيال هيعملوها بجد؟”. يسيران معا نحو شباك الصالة، ينظران من الشباك، الصغيران يركبان الباص، تلوح لهما مودعة، عادة ما ينظر ابنها تجاه الشباك ويلوح لها بينما لا تنظر ابنتها أبدا، يغادران، تغلق الشباك، وتتجه مع زوجها الذي أحاطها بذراعه إلى المطبخ لعمل القهوة. (2) ملساء الصدر كويس إن احنا ما قلناش للعيال...هيقلقوا على الفاضي. هي أصلا ساعة ولا اتنين وترجعي بالسلامة، وهما عند ماما مبسوطين مع ولاد عمهم فمش هيحسوا. يصلا إلى المستشفى، يأتي طبيب التخدير يرحب بهما يثبت الحقنة في ذراعها، تأتي الممرضة بورقة للزوج والزوجة؛ ليوقعاها وتخبرهما أن الطبيب سيتأخر لأنه سينتخب أولا، تضحك الزوجة بينما تقول: يعني كده هنعمل العملية بكره، طوابير الانتخابات مالية الشوارع. يدخل أخواها ويسأل الكبير: إنت ما قلتيش لبابا؟؟ ترد: لا لم أقل لأحد لأنها إن شاء الله شيء بسيط...وأبوك في إيه ولا في إيه ده الانتخابات النهارده، إنتم انتخبتم ولا لسه؟. الصبح بدري انتخبنا. تدخل الحمام بينما ينشغل زوجها بحديث السياسة مع أخويها، ترتدي ملابس العمليات، تخرج لتجد الترولي بانتظارها تطلب منهم أن تسير لغرفة العمليات، يرفض الجميع ويقولون: هي ديه الإجراءات اللي لازم تتعمل، تستسلم، وتتمدد على الترولي، ويأخذوها بعيدا، بينما زوجها يقول: لا إله إلا الله. تفيق من البنج وفي ذهنها ذكريات عن العملية وكأنما أفاقت في منتصفها وسمعت الطبيب يقول: الحقوا ديه بتهز راسها، ارتفعت الأصوات حولها: حمدالله على السلامة حمدالله على السلامة. سألت محدثها وكان طبيب البنج : هو أنا صحيت ليه في العملية، قال لها وقد تسمرت عيناه: لا ده إنت بيتهيألك. لا أنا سمعتكم كويس. سمعت إيه؟، من ارتباك نظرته سألته: هو في إيه؟ هو حصل إيه؟ ما حصلش حاجة، العملية كانت كويسة، هييجي الدكتور اسأليه. وفر من أمامها. جاء الطبيب الجراح أول ما شاهدته ابتسمت وقالت: هو إنت شلت صدري؟ قال: أيوه. شهقت وقالت: مش معقول!! ليه؟؟. الورم طلع مش حميد، طلع سرطان وحواليه دايره حميده عشان كده الأشعات لخبطتنا. انخرطت في نوبة من البكاء الصامت، وهي تقول: زي أمي.. زي أمي.. أصبحت ملساء الصدر زي أمي...الله يرحمها.. الله يرحمها. أديكي مهدئ؟. لا شكرا مش عايزة حاجة، أنا مش قبل ما أدخل قلتلك أهم حاجة الحفاظ على صدر المريضة؟، رد الطبيب وهو يشيح بوجهه: غصب عني والله... أنا لازم أسيبك واخرج لزوجك لأنه منهار. أخرجوها للغرفة وجدت أخويها الصبيان وابنة عمتها يسلمون عليها والدموع تملأ أعينهم، بينما هي تبتسم وتقول: خيرا إن شاء الله، وصلت للفراش في الغرفة على الترولي، وضعوا الترولي بجوار الفراش ونقلوها عليه بالملاءة، استقر مقامها على الفراش والتفتت لتجد زوجها يقبل يدها همست له: كده يا حبيبي كده؟، قال والدموع تملأ عينيه: غصب عني والله غصب عني ديه كانت أصعب لحظة في حياتي، ابتسمت ولزمت الصمت وهي تطبع قبلة على بطن يدها، ثم تضع يدها على رأسه. بعد عدة ساعات قليلة ناولها أخوها الهاتف قائلا: أبي، دمعت عيناها ولكن تمالكت نفسها وهي ترد وتسمع صوته الحاني الملهوف قادما من الناحية الأخرى: كده ما تقوليليش؟. معلش يا أبي إنت في إيه ولا في إيه، أنا عايزاك تطمن عليا تماما أنا كويسة أوي الحمد الله الحمد الله، مشي اليوم إزاي في الانتخابات؟. أنا متأكد...إنت بنتي وأنا عارفك، أما عن الانتخابات فزي ما قلتلكم قبل كده إحنا مش مكملين بعد كل التغيرات ديه عشان نكسب، إحنا كملنا عشان نورّي أحد تجليات الإسلام الوسطي المهمة الأساسية اللي بيحاول كثر إنهم يتمسحوا بيها وهي منهم براء...ربنا ييسر الخير. وهي خارجة من المستشفى بينما يقود السائق السيارة وزوجها يرد على تليفونات الأقارب والأصدقاء، فتحت محمولها وكتبت من خلاله لولديها رسالة على صفحتها على الفيس بوك: "أبنائي....دخلت أمكما المستشفى يوم الاثنين لإزالة ورم صغير من الصدر، وخرجت....ملساء الصدر تماما كما حدث مع جدتكما منذ زمن بعيد، إنها إحدى المعارك الجديدة التي ستخوضها أمكم معكم...إحدى المعارك التي ستحتاج فيها كل الدعم الإنساني والرباني لتعبرها.....خطوات كثيرة قادمة مسح جميع الجسد للتأكد من عدم وجود شيء آخر.... علاج كيميائي، وآخر إشعاعي تغيرات جسدية كبيرة، أما تلك النفسية فربي يساعدني على عبورها....أمكما تحبكما جدا". وصلت المنزل، هرع البوابون لأخذ الحقيبة ولإلقاء السلام، نزلت من السيارة بينما هي تحمل الدرين الذي يرتبط بجسدها عبر خرطوم مثبت في مكان الجرح، يمسك زوجها يدها وهي تصعد السلالم تلتفت له مبتسمة وتسحب يدها من يديه وتستند على السلم. تدخل المنزل وتتجه رأسا إلى الدولاب الذي تضع فيه الأكياس المقواة التي تأتي فيها الهدايا، تختار كيسا ملونا زهري اللون، تضع فيه الدرين تحمله، تنظر إليه عن بعد، ثم تغلق باب الدولاب. (3) أول مرة عادت من العمل مبكرا، فتحت باب الشقة وجدت الجميع في الصالة، قفز عليها الصغيران قائلَين ماما رجعتي بدري ليه؟، نظرت لزوجها المشغول في قراءة الجرائد وقالت: مشّونا من الشغل بدري عشان فيه مظاهرات، نهض زوجها قبّل رأسها واحتضنها وقال: رائع كده نروح النادي شوية، ذهبت مع ولديها إلى غرفتهما أعدت ملابسهما في سرعة وتناوشت معهما قليلا حول ما يريدان ارتدائه : ديه ديقة عليا، ديه بتخنقني، ديه لونها مش موضة، ديه عبير عندها زيها. وانهت الأم النزال بقولها: بقولوكوا إيه ...لو مش عاجبكم ما حدش ييجي يقولي تاني ماما نقيلي هلبس إيه...فاهمين؟، احتضنتها الصغيرة: خلاص خلاص يا ماما هلبس اللي إنت اخترتيه، بينما برطم الصغير ببضع كلمات لم تفهم الأم منها أي شيء كالعادة. خرجت للصالة، سألت زوجها: تشرب فنجان قهوة قبل ما ننزل؟، رد متسائلا: فيه وقت؟ أيوه لسه عيالك بتلبس وإنت عارف بقى بياخدوا وقت قد إيه، ضحكا بينما وضع ذراعه حول كتفها وسارا معا إلى المطبخ لتحضير القهوة. بينما هما خارجان من المطبخ هي تحمل صينية القهوة الزرقاء التي أتت بها من الأردن مع كوبين من القهوة المنقوشة نقوش عربية وهو يحمل طبق صغير به بسكوت، سمعا هتافات وأصوات عالية تأتي من الشارع، وضعا الصينية على الطاولة وتوجها إلى الشباك وجاء في أثرهما الصغيران: ماما بابا فيه إيه.. إيه اللي بيحصل؟ توجها إلى شباك الصالة العريض الذي يقع على شارع البطل أحمد عبد العزيز، فتحا الشباك وإذا بالآلاف من البشر صغارا وكبارا نساء ورجالا يسيرون حاملين لافتات معارضة للحكومة وأعلام مصر، ينادون وهم ينظرون للشبابيك وللعمارات: انزل...انزل...، ظلا متسمرين لدقائق أمام المشهد المهيب الذي لم يشاهده أي منهما من قبل، قالت له: ده بجد، ولا حد بيصور فيلم؟ ، رد قائلا: لا ده جد الجد المره دي، صمتا وهما يتابعان المشهد... بس ديه ناس شكلها زينا، قالت زوجته، ثم زادت : يعني مش ثورة جياع . رد زوجها... فيس بوك...جياع إيه...فيس بوك، قال الصغير: ماما أنا عايز أنزل ما ليش دعوة، أنا بكره مبارك، بينما قالت الصغيرة: لا أنا خايفة، صمتا والنداءات تزيد، بينما هما في تأملهما المهيب، قال زوجها: بيقولوا انزل، وبصراحة مش هما اللي بيقولوا ديه مصر اللي بتقول، يعني اللحظة ديه اللي مش هينزل ...يبقى تخلف وتولى يوم الزحف، حولت رأسها من الشباك، أطالت النظر له في عينيه، بادلها نظرا بنظر وهو يقول بهدوء و تصميم: تنزلي...ولا تروحي النادي مع عيالك؟، صمتت لبرهة ثم قالت: أنا عمري ما مشيت في مظاهرة، رد وهو يمد يده لها تمشي معايا؟ ، ردت بعد لحظة: أكيد، وهي تناوله يدها، طب والولاد؟، رد الصغير بتصميم: هنيجي معاكوا، قال له أبوه: لا يا حبيبي هكلم خالتو منار تاخدكم النادي واحنا هنحصلكم على هناك، تبرم الصغيران بينما تفتق ذهن الصغيرة على حل لإرضاء أخيها: ممكن نعوم، قالت الأم: طبعا جهزوا ميوهاتكم، أرضاهما ذلك الحل، فانصرفا لتجهيز أشيائهما، سارت للمطبخ، وقالت للسيدة التي تساعدها: مدام منار هتعدي تاخد الأولاد ما تنزليش غير لما تنزليهم. نزلت وزوجها سريعا ليلحقا بالجموع الممتدة التي لا يبدو لها نهاية، وعلى باب منزلهما فوجئا بكثير من الضباط يسدون الطريق ومجموعات من المخبرين، وجدا البواب عبد الحميد الذي نصحهما بأخذ طريق آخر، رد زوجها على البواب بتصميم: لا إحنا رايحين هناك، مشيرا للمظاهرة، وتابع عندما شاهد نظرات الدهشة في عين البواب، مش سامع ده بيقولك انزل، لحظة استنيناها أربعين سنة، لم ينتظر ليسمع رد البواب اكتفى بنظرة الذهول في عينيه وعيون الضباط والمخبرين الواقفين على مدخل العمارة. انضم وزوجته للمتظاهرين، منذ أخذا خطواتهما الأولى من بداية البطل أحمد عبد العزيز وهو يرى أناسا يعرفهم، إما تربى معهم في المنطقة التي يقطنها منذ كان طفلا أو زملاء مدرسة واحدة أو زملاء عمل، أو معارف جلسة القهوة المسائية، يسلم ويحيي وزوجته بجواره صامتة، وهو يحدث أحدهم، مال تجاهها وهمس في أذنها: ماتخافيش، أشارت بعينها تجاه آلاف من ضباط الأمن المركزي التي تتمركز تحت كوبري أكتوبر، همس مرة أخرى في أذنها: وإيه يعني..العمر واحد والرب واحد..إحنا مع بعض، وانطلق في الهتاف بصوت عال وجهوري: مساواة...حرية..عدالة اجتماعية، بدأ صوتها يتسرب إلى أذنيه وهي تهتف بصوت خفيض...أخذ في الارتفاع كلما تقدمت المسيرة، ولكنها كانت تقول: مصر...مصر، وقلبها لا يتوقف عن الخفقان، نداء انزل كان يهز أرجاء المنازل والطرقات، نظرت لأعلى في اتجاه العمارات وجدت كل السكان يطلون من النوافذ...المفتوحة جميعا. (4) الرحيل هواء شهر مارس ينشط ، تهتز أوراق أشجار مدخل المنزل ذي الطابقين الواقع في ضاحية مدينة نصر، تكاد الزهور الحمراء التي تحملها الأشجار المزروعة حول المنزل أن تتفتح، ظهرت أجزاء حمراء من كل زنبقة مختلطة بلون الأوراق الخضراء لتضفي لمحة دفء على مدخل المنزل الأبيض. يفتح الباب، يسمع صوت سيارة إسعاف بعيدة، يعمل البواب بسرعة على فتح الباب على مصراعيه، يقترب صوت عربة الإسعاف، تقف العربة في مدخل المنزل، ينزل ممرضان بكرسي متحرك، يأمرهما البواب أن يقفا على مدخل المنزل وألا يصعدا السلم: الست الهانم نازلة، أصوات وجلبة داخل المنزل، تظهر امرأة ممتلئة القوام ذات وجه أبيض مشرب بحمرة قوية رغم عدم حرارة الجو، مستندة كلية على رجل أسمر، غطى الشيب رأسه مستوي القوام، هو شبه محتضن لها كليا، فجسدها يتحرك بناء على حركة جسده هو: إنت عارف، كتاب من الكتب اللي جبناهم من أمريكا كان بيقول إن الميه اللي عندي مركزها نصف الدماغ، فهي وسط فصوص المخ الأربعة، و بتتحرك، فأحيانا البصر يتأثر وأحيانا الحركة وكده يعني. عارف يا حبيبتي. أصل ده حاصل دلوقت. إيه اللي متأثر بالضبط؟ أنا مش شايفة. طب مسنودة علي كويس؟ أيوه. طب ماتخافيش...خليكي سانده. هما هينيموني على نقالة؟ لأ أنا طلبت كرسي بعجل. هوا إحنا رايحين مستشفى؟ أيوه يا حبيبتي زي ما اتفقنا. أنا تعبت أوي. معلش يا نور عيني. طب حاسب بقى ألا نور عينيك اتعمت، يضحكان ببساطة. أنا مش عارفة أنا فين؟ إحنا في المستشفى يا أمي. أبوك فين؟ في رابعة يا أمي...عندهم مؤتمر صحفي. أختك فين؟ في الجامعة بيحضروا لحراك طلابي في رابعة. أنا مش بتحرك.. مش كده؟ أنا مش عارفة يا أمي، إنت مش بتتحركي علشان مش عارفة ولا علشان مش عايزة؟ بصراحة...الاتنين، ساعات مش عايزة وساعات مش عارفة، تحتضنها وتقول: أنا بحبك أوي وأنا كمان، وهي تربت بيدها على ظهر ابنتها بخفة. عايزة أتوضى، اسنديني وديني الحمام. حاضر، تتكئ الأم على الابنة قوية البنية، تسيران ببطء حتى الحمام، تستند الأم على الحوض ثم تقع، تصرخ الابنة وتجهش بالبكاء. ما تعيطيش ...ما تعيطيش. أنا خايفة يا أمي. لأ ما تخافيش...أنا عارفة كل ده...أنا عارفة اللي هيحصل. إيه اللي هيحصل؟ حجات كتير هقلك عليها لما تقوميني من على البلاط الساقع ده، تضحكان. هو مين اللي على الباب ده؟ محدش يا ماما. يعني ده مش أبوك؟ لأ ..بابا معاده مش دلوقت. إزاي؟ مش إحنا المغرب؟ أيوه بس هو بيصلي المغرب في رابعة وبعدين ييجي، وبعدين هو ما فيش غير بابا كل شوية تسألي عليه.. أنا مش كفاية ولا إيه؟ هو في حد زي أبوك! أيوه يا سيدي...هو فين علشان يسمع. عارفة أحلى أيامنا كانت في السعودية. سعودية إيه يا ماما بس...دي بلد كئيبة. بالعكس، على قد ما رحنا بلاد ما قعدناش مع بعض أد ما قعدنا مع بعض هناك. أيوه يا عم...إنت والدكتور شغل على كبير. بس يا قليلة الأدب. يدخل الأب وفي يده كيس هدية، يسلم على الابنة ويحتضنها وينحني مقبلا الأم وهو يمد يده ليرفع يدها إلى فمه مقبلا ويظل ممسكا بيدها، تحاول سحب يدها.. ليه أنا عايز أمسكها شوية. يمد يده ويخرج من كيس الهدية علبة قطيفة حمراء، يفتحها ويتناول الخاتم الذي بها ويلبسه للأم، تبتسم وتقول: الله حلو أوي ده...بس بمناسبة إيه؟ عيد جوازنا. يا... أنا نسيت...نسيت كل الأيام. أنا عارف بس أصلا إنت مش لازم تفتكرى...أنا اللي لازم أفتكر لأن أنا اللي ربنا أكرمني. معقول...معقول الكلام ده. طبعا وكمان لو عايزاني أجيب المأذون من أول وجديد ونتجوز تاني دلوقت أنا مستعد، معانا مشايخ كتير أوي في رابعة...ها يلا بينا، تضحك وقد تضرج وجهها بالحمرة. أسبوع الآن وهي لا تتكلم ولا تتحرك، ولا تلتفت إلا إليك يا أبي يقول وهو يجر كرسي إلى جوار فراش زوجته المريضة ويمسك بيدها مقبلا : معلش ده طبيعي. أنا مش عارفه هي سمعانا ولا لأ؟. ولا أنا يا بنتي. طيب تفتكر هي موجوعة. إن شاء الله لأ. وبعدين يا أبي، أنا خايفة عليها أوي. ما تخافيش أمك ست قوية...وفي النهاية...من لم يرض بقضائي فليخرج من تحت سمائي وليعبد ربا سواي. حد من الدكاتره قال لك هيحصل إيه أو تطور الحالة هيكون إيه؟ لأ ما حدش، يمكن الوحيدة اللي ممكن تجاوب على السؤال ده هي أمك، دي قرأت يمكن 50 كتاب عن السرطان، وكانت طوال رحلتنا لأمريكا تشرح لي ما المتوقع وما سيحدث. تقول الأم فجأة وعيناها مازالت مغمضة: التطور الطبيعي هو فشل أعضاء الجسم جميعا ثم الموت ، تصرخ الابنة: ماما إنت اتكلمتي، وترتمي عليها محتضنة. ماما، تصمت ثم تعاود النداء: ماما..ماما.. ماما بطلي زن، تحتضنها الابنة وتقول: طب مدام قادرة.. ليه مش بتتكلمي؟ مش قادرة...والله مش قادرة... بس زهقت من زنك...أبوك جه النهارده؟ أيوه يا أمي كالعادة مرتين، الصبح قبل المكتب، وبعد صلاة المغرب في رابعة ولسه هيجي بليل. وحشني أوي، طب قوليلي كده لما ييجي... لو قدرت افتحي التلفزيون شوية. حاضر، يشاهدان معا فيلما لعبد الحليم وعبد السلام النابلسي حيث يعطي الأخير دواء منوما على سبيل الخطأ لبطلة الفيلم فتنام في محطة القطار ، تتثاءب الأم وتقول: يظهر عبد السلام النابلسي حدفلي حباية، تضحكان. الحرارة مرتفعة ولا تنخفض، تقوم الابنة الكبرى بعمل كمادات للأم ولكن لا تأثير لها، تظل تحتضن الأم في الذهاب والرواح وتتمتم: سمعاني يا ماما.. أنا بحبك..سمعاني..خليكي معانا سامعاني، كلنا بنحبك، الأم لا تتحرك ولا تتكلم. نقطة بيضاء صغيرة كاللؤلؤة تخرج من فم الأم، تمد الابنة يدها بالمنديل لتمسحها، تلتفت لتضعه في سلة القمامة، تنظر للأم لتجدها ساكنة تماما ولا أثر للتنفس أمي... أمي...، يا مس....يا مس، تدخل الممرضة: في إيه؟ مش عارفة ماما مالها؟. تتحرك الممرضة في اتجاه الأم، تنحني عليها، ثم ترفع رأسها وتقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، تحتضن الابنة أمها وتعتصرها بين يديها بينما تغادر الممرضة مع ارتفاع صوت المؤذن بإقامة صلاة المغرب ، بعد برهة يدخل الأب... يجد الابنة منكفئة على أمها، ترفع الابنة رأسها ، تلتقي عيونهما، يفهم الأب، ينحني مقبلا رأس الأم، يدها، كتفيها وهو يقول: حتى نلتقي يا حبيبتي... حتى نلتقي يا حبيبتي ... حتى نلتقي يا حبيبتي . تدخل الممرضات مسرعات، يضعن ملاءة بيضاء حول جسد الأم، يأتين بدفتر ويكتبن بقلم فولمستر أزرق رقما في الدفتر و نفس الرقم يكتبنه على الملاءة التي تغطي صدر الأم، تصطف الممرضات صفين على اليمين وعلى اليسار وتحمل مجموعة منهن جسد الأم الذي يمر وسط الصفين، تؤدي الممرضات تحية للأم التي كانت ذات يوم ضمن صفوفهن. يصطف المصلون لصلاة الجنازة، يؤم الأب الجنازة ويتهجد صوته وهو يقول: ساووا صفوفكم يرحمكم الله...إنكم تصلون اليوم على امرأة ليس كمثلها بين النساء نساء. إنه هواء الصيف الساخن، نهاية أغسطس، تفتحت جميع الأزهار الحمراء التي تحملها الأشجار التي زرعتها الأم بيديها حول مدخل المنزل الأبيض في حي مدينة نصر، الهواء الساخن يهز أوراق الشجر مولدا موسيقى هادئة تشبه وشوشة الأحبة، كل شيء هادئ...لا أصوات كلاكسات ولا أحد يسير في الشارع... باب المدخل مغلق. (5) فاطمة من غير أي تطهير؟! يا دكتورة اشتغلي أبوس إيدك... مش شايفه الحالة؟ شدت القفاز لتحكمه على يدها وبدأت تخيط البطن مكان الرصاصة التي أخرجها زميلها، الذي تم استدعاؤه ممن في الخارج ليسعف أحدهم ممن لم يتمكنوا من إيجاد مكان له داخل المستشفى الميداني... أول يوم لها هنا، وصلت على مذبحة المنصة، حصلت على الدكتوراه في الجراحة، وتاني يوم كانت في سوريا مع الجيش الحر، أمضت هناك أشهر حتى حلت مذبحة الساجدين في الحرس الجمهوري فشعرت أنها يجب أن تعود، مدير المستشفى الميداني بحلب بينما يأكلون جميعا في نهاية يوم متعب قال لها أمام الجميع: فاطمة راح توحشينا والله. نطرت له وقالت: وأنا هروح فين؟ رد مبتسما :عم بتعودي لمصر. إيه يا دكتور بسام ..زهقت مني؟ ولو...لكن .. كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منــــــــزل. مصر تناديك يا دكتوره...اتوكلي على الله بكره. وبالفعل حزمت أمتعتها، تركت بعض الهدايا الصغيرة لرفاق المستشفى من الكتب التي كانت معها، فهي سلعة عزيزة في ظل الحرب... أنهت ربط الجرح وهي تقول للمصاب: هتبقى كويس بإذن الله...هز رأسه بينما ضغط بقوة على يدها وهو يتمتم: شكرا...شكرا، تنتقل للمصاب اللي بعده الذي كانت تسمع صوته بينما تعمل، مهمهما: يارب يارب يارب يارب... كلمته...لمست وجهه بيدها...وجدت أثر الرصاصة في أسفل الرقبة...رفعت رأسها وهي تقول: مات...مات يا جماعة. صرخ فيها الدكتور الذي وزعها على العمل...اللي بعده. لم تتخيل ما هي مقدمة عليه...ده سوريا ما شافتش فيها كده...سترك يا رب. بينما تعمل والنظارة على أرنبة أنفها تنتقل من مصاب إلى الآخر تستدعى في الخارج أحيانا وأحيانا تظل في الداخل، بين ذهابها وعودتها تمتلئ المستشفى بالأكفان البيضاء. لا وقت لديها للتفكير...عليها فقط أن تعمل في ربط الجراح. مين اللي بعده؟ ربتت على كتفها الحاجة أمينة: ما فيش يا بنتي خلاص خلصتم كده... نظرت حولها... أجساد كلها ملفوفة في أكفان بيضاء والمراوح شغالة والشباب يرش معطر للجو، تنظر مستفهمة للحاجة أمينة ...هو احنا لحقنا؟ أيوه يا بنتي إنتم بقالكم ٤٨ ساعة في الغم ده...ربنا يقويكم. سقطت على الأرض مغشيا عليها من التعب. أفاقت لتجد أمها إلى جوارها: أخيرا فقت يا فاطمة، دفنت رأسها في حضن أمها وبكت وبكت بلا نهاية... يا أمي...مش هتتخيلي. لا متخيلة وعارفة، أحمد ابن طنط سعاد...استشهد في المنصة...١٥ سنة يا فاطمة، بس إنت لازم تقومي لأن كل اللي حواليكي دول محتاجين كل إيد...قالوا لي أخدك البيت عشان خطوتين من هنا، قلتلهم فاطمة مش هترضى تمشي، مدت يدها مسحت بها دموع ابنتها المنسابة في صمت: مش صح كده؟. ردت فاطمة: صح يا ست الكل، ورفعت رأسها لتقبل رأس أمها. بعد أن تشاركت في الطعام الذي أحضرته أمها مع كل الموجودين في المسجد، غادرت أمها وبينما هي تحتضنها همست : لو عايزة تستحمي وتغيري هدومك تعالي البيت... بكره يا بنتي هيكون أحلى من النهارده زي ما كان أبوك الله يرحمه بيقول. غادرت أمها وانهمكت فاطمة مرة أخرى في معالجة آثار مذبحة المنصة مع زملائها. مرت الأيام التالية هادئة، توثقت علاقة فاطمة مع الزملاء والزميلات. حرصن كل الحرص أثناء أوقات الهدوء هذه على نسخ كل صور المذبحة من محمول لمحمول بحيث تصبح على كل هواتفهم فلا تضيع أي صورة. لازمت المستشفى الميداني ولم تذهب لمنزلها المجاور لكنتاكي إلا عند الضرورة، جاءت أمها بمرتبة وبطانية آخر يوم رمضان وقالت: مش معقول أعيّد في حتة وإنت في حتة واحنا على بعد خطوتين، دقائق بعد أمها دخل حسين البواب ومراته حسنة ومعاهم كراتين أدرك الجميع كنهها فورا...كحك العيد. كان الاحتفاء بالأم من الجميع فوق الوصف. نظرت فاطمة لأمها...التي تجمع حولها أطباء المستشفى وبعض المتواجدين، تذكرت كيف وقفت كالطود الشامخ رافضة بكل إصرار أن توقع على تقرير يعزو وفاة والدها - الذي أودع السجن فور وصوله مصر في التسعينات قادما من باكستان - إلى الانتحار، حتى إنها أقنعت أباه وأمه برفض ذلك حتى لو منعوهم استلام الجثة. قالت جدتها: يعني يدفنوه وما اعرفش أزوره... ردت أم فاطمة :هو مش هيكون هناك يا أمي أصلا...الله يرحمه عمره ما كان هيرضى بكده. وكانت أمها على حق هذا الأب الطويل الأسمر صاحب العيون الخضراء العميقة التي لا يعرف أحد من أين جاء بها وهو الريفي الأصل، فور تخرجه من الأزهر قبل ببعثة في إنجلترا في جامعة لندن كلية الدراسات الشرقية حصل على الدكتوراه وبعدها ماجيستير في اللاهوت من إيطاليا...ثم انطلق للدعوة في كل البلاد : أفريقيا... آسيا ..إلى أن استقر به المقام في باكستان حيث تزوج هناك بأمها ابنة السفير المصري الذي بهرها الرجل ذو العمامة الذي يتحدث الإنجليزية والإيطالية بطلاقة، وواجهت أهلها جميعا لتجمعها عرى الأبدية مع هذا الرجل ولينجبا فاطمة، ولم تندم أبدا...هكذا قالت لفاطمة. ابتسمت وأمها تناولها كحكة بالعجوة المفضلة لدى فاطمة، قرصت أمها خدها وهي تقول: آه منك إنت وأفكارك وابتساماتك، حضنتها ورفعتها عن الأرض كما تفعل دائما فقد ورثت بنية أبيها القوية بينما أمها صغيرة البنية قصيرة. في اليوم التالي كانت صلاة العيد في الميدان خرج جميع من في المستشفى الميداني للصلاة والاحتفال في الميدان. من أول نظرة على الميدان أدرك الأطباء ما عليهم فعله، عدد كبير من الأطفال وألعاب كثيرة، طوارئ الأطفال لازم تشتغل، وزعهم الدكتور أحمد مجموعات عند ألعاب الأطفال وتدور على الخيام، ومجموعة في المستشفى لعلاج أية حالات إسهال.. قيء وخلافه. مرت أيام العيد جميلة بلا أحداث تذكر...سوى محاولتين لاقتحام الميدان صدهما شباب الحراسة. استيقظ الجميع يوم ١٤-٨-٢٠١٣ على أصوات انفجار قوي والطائرة الهيليكوبتر تحوم حول الرؤوس...استغرقهم إدراك ما يحدث برهة...امتلأ المستشفى الميداني على آخره، الإصابات كلها رأس ورقبة وصدر...الرصاص غير موجود يصيبهم ويخرج من الناحية الأخرى...من دخل المستشفى يومها لم يخرج. ما هي إلا ساعات حتى وجدوا المستشفى الميداني يتم اقتحامه، رجال بوليس في كل مكان بلباسهم الأسود الكريه بعضهم مقنع .. لم يفهموا، وقف الأطباء متجمدين بجوار حالاتهم، بينما قال رئيس المجموعة المقتحمة كله يخرج اللي يقدر يمشي يمشي الباقي هنخليه...كانت محاولات التفاهم مستحيلة وعقيمة... زاد الضابط: كل الأطباء يسلموا تليفوناتهم المحمولة للحرس على الباب، نظرت فاطمة عبر الجموع للد كتور أحمد، كانت قد أفصحت له من قبل عن شكها بوجود دخيل في المجموعة، بادلها نظرا بنظر لقد تأكد الأمر فلا يعرف أي شخص خارج المجموعة قصة توثيقهم لصور القتل والتنكيل على جميع المحمولات. ترجت فاطمة الضابط أن تكمل العناية بالجريح الذي تباشره نهرها نهرا قويا وهو يقول: يلا يا ولية من هنا. أيوه بس هما محتاجين رعاية...عاجلة طبية. هننقلهم بالإسعاف ويلا إنت معطلانا كده. خرجت فاطمة، ولكن بدون ملاحظة من أحد رمت هاتفها وراء المنبر الخشبي للمسجد،خرجت بجوارها مجموعة من الأطباء . استمروا في السير حتى بلغوا الصينية في الميدان علت الأصوات خدوا ساتر.. الهليكوبتر بتضرب في المليان... ركضت مع زملائها تفرق بعضهم، ومجموعة فاطمة احتمت بمدخل إحدى البنايات، بينما يستديرون وجدوا النيران تأكل المسجد ومستشفاهم الميداني... صرخ الدكتور أحمد يا نهار احوس دول ما طلعوش العيانين...يا انهار اسود ده فيه ناس عايشة جوه... صرخت فاطمة: تعالوا معايا كلكم. ركضت بهم في شارع الطيران، حتى وصلت لكنتاكي عبرت من شارع مستشفى النصر خرمت في الشوارع الجانبية حتى بلغت شارع دار الشروق خلف المسجد، لم يكن الجنود قد حاصروا خلف المسجد ..الحصار كان مركزا كله في الأمام، صعدت بسرعة مبنى العيادات الخارجية في مستشفى رابعة، تعرف المكان جيدا فقد تطوعت فيه كثيرا، نزلت سلما داخليا وجدوا أنفسهم في صالة مربعة صغيرة بها كنب خشبي كبير، فهم الجميع أن الباب يوصل المستشفى بالجامع، صرخ الدكتور أحمد نكسره يا جماعة تكالبوا عليه حتى وقع أرضا... صرخ أحمد: مين راكن عربياته قريب، اللي راكن يجيبها عند الباب بسرعة بس تجنبوا الأمن... غادر ثلاثة وبقي خمسة منهم فاطمة . رفع الجميع أطراف بلاطيهم وغطوا بها أنوفهم، الدخان كثيف وأصوات كثيرة بين صراخ الألم وبين لا إله إلا الله وبين أحد أحد...بدأوا في إخلاء الجرحى والمصابين. المصابون ممن كانوا في مقدمة المستشفى الميداني لم ينج منهم أحد. والجثث يا دكتور أحمد معقول نسيبها؟؟ أهلهم مش هيعرفوا كده. فاطمة.. بكره نيجي تاني النار هتاكلنا. بدأت عملية الإخلاء، فوجئوا عند خروجهم بعربات نصف نقل كثيرة من السوق القريب واقفة لتساعدهم . هنخرم يا دكاتره من جوه بس عايزين تروحوا فين نوديهم النصر ولا حسبو... لا ده ولا ده صرخ الدكتور أحمد: ينفع توصلونا لمسجد الإيمان في مكرم؟ على بركة الله...بس الناس ديه عايزه مستشفى. لم تكف فاطمة عن البكاء طوال الطريق. وصلوا جامع الإيمان، أنزلوهم، كرر الدكتور أحمد النداء لتبرعات أدوية. مضت الليلة كئيبة وطويلة، فقدوا الكثير من المصابين. مع إشراقة شمس اليوم الذي تلاه كان كل من نقلوا في عداد الموتى. جلست فاطمة على سلالم مسجد الإيمان تتطلع في ذهول لوجوه الأهالي المكلومين ممن جاؤوا لأخذ أولادهم، ذهول تام من الجميع، لا أحد يصدق ما حدث. أفاقت على يد تمسك يدها. أمي... يلا يا فاطمة نروح، محدش محتاجك هنا يا بنتي. قامت مع أمها، احتضنتها بقوة، وهي تغادر وتخلع البالطو قبل أن تخرج للشارع وجدت الدكتور أحمد يقف على باب المسجد ملوحا لها...صعدت... خدي ده...شفتك وإنت بترميه لما رجعنا خدته...اللي عليه لازم ينزل النهارده قبل بكره... شكرا...شدت على يده بكلتا يديها: ربنا يحفظك. أنا هفضل لأن الجثث محتاجة رعاية روحي مع والدتك إنت. أمي...أنا مش همشي من هنا، فيه محل نت قريب من السّلاب هنمشي من هناك...فهمت أمها. حملت فاطمة كل شيء ..الصور والأفلام حتى التسجيلات الصوتية وأرسلتها لكل الصحفيين المصريين والعرب والأجانب ممكن تواصلوا معها أثناء الاعتصام... اتجها إلى منزلهما وهي لا تدري أهو كابوس ما تعيش أم حقيقة !! بعد مغادرة فاطمة جامع الإيمان اقتحمه الأمن في ذات الليلة وأخذوا كل الجثث، لم تسمع فاطمة عن أحد ممن كان معها من الأطباء ولا تعرف ما حل بهم. في أول يوم تخرج فيه من منزلها خطت في شارع الطيران متجهة لميدان رابعة المغلق ولا يعبره أحد إلا بالبطاقة للتأكد أنه من المقيمين، وقفت أمام رجل الأمن...نظرت إلى الميدان...هبت على قلبها ذكريات مُرّة وأخرى حلوة، هنا عاشوا وهتفوا وآمنوا بما قالوا وهنا ماتوا، توقفت للحظة، خلعت نعليها وحملتهما في يدها، أطلعت رجل الأمن على بطاقتها سمح لها بالعبور لتأخذ تاكسي من الجهة الأخرى من الطيران، بينما سارت مبتعدة عنه أخذ ينظر لها بتعجب وهو لا يفهم لم تسير بلا حذاء ! ...أرض الميدان ساخنة في أغسطس...مثلها مثل البلد كلها. (6) أخي إنه يخفق ويقفز، ذلك القلب بين جوانحه، تكاد تسمعه، تكاد تراه، ترى ذلك في عيونه في لهفته للجلوس أمام بريده الإلكتروني في الوقت المخصص له في بيت مليء بالمتنافسين على استخدام الإنترنت. في المكالمات الطويلة. وهالة الغموض المحيطة به. يا ربي هل أخذهم الزمن سريعا هكذا عبر بواباته السحرية؟ منذ أيام ليست بالبعيدة دخل وافدا جديدا لمنزل لم يعرف سوى الإناث، فما كانت فرحة كفرحة أختيه به وهو مدثر بالأغطية بين ذراعي أمه، تلتها فرحة ابن خالته الصبي الوحيد في الأسرة قبل قدوم أخيه الصغير. كم صرخوا بهجة وهم يراقبون تفتح روحه في هذه الحياة، وكم ضحكوا عندما افتقدوه في مرقده المعتاد وهو لم يكمل بعد سنته الأولى وأخذهم القلق وقرروا عدم إخبار الكبار حتى يجدوه، وإذا به نائم في دعة تحت الفراش فيفزع باكيا من روؤسهم المطلة عليه ومن ضحكاتنا الهستيرية التي أيقظته من رقدته الهانئة. وبدأ التحدي… في محاولة الفتى الوحيد التنفس وسط عالم من الفتيات الحرائر، وزاده محاولة الفتيات من حيث لا يدرين، إيجاد معركة لهن مع قوة هدوئه التي لا حد لها. "لا تقولي لرجل أبدا لو كنت رجلا افعل هذا، فالخيار الوحيد أمامه في هذه الحالة هو إثبات رجولته و إلا عاش ذليلا، هل تفضلين صحبة أذلاء أم صحبة أحرار". " كوني إيجابية قولي: لا يمكنني أن أعتمد على سواك وعندها سوف يلبي لك مرادك بكل ود". " هزيمة أحد الأفراد في المنزل تضعف المنزل بأسره، من الأفضل لكل منكم أن يكون الواقف إلى جواره بقوة الطود الشامخ، فيشد بعضكم أزر بعض. هناك دوما مساحة للتعايش السلمي". " لا أحد في هذا المنزل يضطهد امرأة، في اللحظة التي يظن فيها أحدكم قدرته على ذلك فليعلم أنه لا مكان له بيننا". " لا فارق في هذا المنزل بين رجل وامرأة، العيب على الصبي عيب على البنت. المحرم على الرجل حرام على المرأة. الجميع عليهم أن يكونوا في المنزل بعد المغرب في الشتاء وقبل العشاء في الصيف، إلا إن كنتم معا عندها يتفق على موعد العودة". " لا أحد كبير على الزلل، تزل قدم الرجل وهو شيخ في السبعين، تخير أصدقاءك ولا تحِدْ عن مبادئك تحت الضغوط الاجتماعية البلهاء". "إياك أن تخيف أخوتك مرة أخرى بالكائنات الصحراوية التي تصطادها" "ولم أر في عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام" . "إن كنت تريدين منه أن يأتي لأخذك من بيت صديقتك في الوقت الذي تريدين، أفلا يكون من حقه أن يعطى شيئا في مقابل ذلك ولو كان بسيطا، كسؤاله لك في يوم إجازتك عقب عودته من العمل تحضير وجبة الطعام". " الصراخ ليس قوة، القوة الحقيقية في الحكمة التي تحفظ ما بينكم، الغضب هو صوت اختناق عقولكم في حناجركم". ثم تسللت الصداقة.... " الرجال يفكرون بهذه الطريقة، صدقيني، أنا أحيا معهم كل يوم، أسمعهم، ليس هناك من يستحق أن تبكي من أجله". " طيب سوف أوصلك بشرط، نشرب (فخفخينا) معا في طريق العودة". "عايدة.. شخص اسمه محمد يريدك على الهاتف". " يا عم.. فتاة اسمها سمية تريدك على الهاتف". " قليل من الرجال هو من يؤمن بصداقة حقة تجمعه مع النساء، أنا رجل وأعرف ما أقول". " بصفتك أخي أحب أن أخبرك أنك عندما تقول لفتاة ،ما الذي أخرك لقد قلقت عليك؟ معناها أنك مهتم بها، لو كنت مهتما بها حقا فهذا أمر آخر". "أنا لا أدخل أفلام عربية، كلها مناظر ولا توجد قصة". "اتفقنا، هذا الشهر فيلم العيد الكوميدي العربي والشهر القادم فيلم أجنبي". "فكري مرتين قبل أن تصرخي في وجهي مرة أخرى". "لا تظن نفسك قويا لأنك الرجل ربنا أقوى منك". "أنا آسفة". "هل أعتبر هذا اعتذار ضمني منك". "أحتاج الهاتف… صار لك ساعة تتحدث". "البارحة طلبته منك أكثر من مليون مرة وأنت تحدثين صديقتك التافهة ونمت قبل أن تنهي حديثك معها". "لا تتحدث عن أصدقائي بهذا الأسلوب". "أف… مستحيلة". "يا إلهي… مستبد". "تصبحين على خير". "نسيت أن تقول لي البارحة تصبحين على خير". "لا لم أنس، كنت تتحدثين في الهاتف فتركت لك وريقة على باب غرفتك". "شكرا". "عفوا". ورسخت المودة.... "حسن… تأخرت وهذا أول يوم لك في العمل، بسرعة سوف أوصلك". "ربنا معك". "قفي هنا سوف أعبر أنا الطريق". "حسن… ممكن أستعير منك20 جنيها؟". "معك كم في محفظتك؟ إياك أن تسيري بأقل من خمسين جنيها خذي هذه وإن أنفقتيها أخبريني" "كيف كانت جلستك في المحكمة اليوم؟هل كنت مثل الأستاذة فاطمة في الفيلم (والله بريء)؟". "عايدة… ما حكايتك؟ صار لك عدة أيام صامتة". "ممكن تقولي لي من يكون الدكتور ياسر ؟" "عندما تقول لي أنت من هي سمية!!" "ممكن تستقبل ياسر عندما يأتي؟" "أخيرا سوف يظهر سي ياسر" " يا دمك!!" "ياسر.. هذا أخي.... الكبير". "مبروك… لقد وافق أبي" "لا تتحدثي عن شريك حياتك إلا بتوقير حتى لأعز الناس، فأنت لا تعرفين من سوف يذكر ما قلت أو متى". وصقلت الحياة ما بيننا... "صوتك بعيد…كيف أحوال البرد عندكم؟ سمعنا بموجة باردة تجتاح أوروبا" "البرد شديد… فوق تصورك" "مبروك التخرج يا حسن سأحضر لك هديتك معي" "لماذا لا تردين على رسائلي الإلكترونية؟" "أنا قادمة غدا…وحدي" " لماذا لم تشيري للمحنة من قريب أو بعيد؟" "الأمل أحيانا والرجاء غالبا" "اتركي هذا الأمر وراءك". "رجاء لا تدعهم يتكلمون عنه بصورة سيئة، ما كان كان. لن تعيد الإساءة إليه البيت الذي فقدته". " هل قرأت بريد الأهرام؟ المشكلة نسائية جدا اليوم". "حسن… اقرأ ملحق السيارات فبه كلمة عن سيارتك" "أنا قادم في الطريق ممكن تسخني لي الطعام لحين عودتي". "غالي والطلب رخيص" "صباح الخير، هيا استيقظي، فقد اشتريت الطعمية والإفطار جاهز" حتى في لحظات لم يوافق فيها على اختيارها كان السند الهاديء. "مش هتنزلوا التحرير إلا وأنا معاكم...ما فيهاش فصال" "إنت أستاذ جامعة ممكن تترفد..." "جت على ديه يعني...رجلنا على رجل بعض نتقابل بعد صلاة الجمعة ونمشي مع المسيرة اللي هتطلع من مسجد الإيمان" كبر الفتى النقي، كبر الصديق والأخ، ولكنه كان دوما كبيرا وهدوء طفولته وشبابه دليل ذلك. ولكن لم لا يتحدث عنها؟ من هي؟ إنها المرة الأولى التي يحيد فيها عن الحديث مع أخته إلى الصمت. تعلم أنه ابن أبيه سوف يقودها لطريق قلبه بهدوء وأناة سوف يكرمها ويحسن إليها. في حفلات الاستقبال سيأخذ منها الصحن الفارغ ويضعه على الطاولة، سوف يمد لها يده مساعدا وهي تخرج من السيارة، سينظر في عينيها مع كل كلمة يقولها لها، سينصت إليها ولو كانت تتحدث عن لون السماء أو حرارة الشمس، سوف تبرق عيناه بالابتسام في كل مرة تلتقي عيونهما، سيشركها في أمره كله وإن صغر، سيدفعها برفق لتكون لها إنجازاتها الخاصة وذاتها المستقلة، لن تهدده قوتها وإنما ستزيده قوة. إنه أخوها الكبير الصغير وهي تعرفه حق المعرفة. هل تكون هي كأمه يا ترى؟ كالنسمات الرطبة في قيظ الصيف، تنصت وقت الإنصات ولا تعترض على صنيع أو قول له أمام كائن من كان، وتحمر وجنتاها كلما رأته، هل تصبر وتتحمل روحه الحرة ونفسه التي لا تنحني إلا لبارئها؟ هل تذهب معه أينما ذهب وتكون الصديق والرفقة الحانية؟ وجاء …. كما جاء أول الأمر…. منذ ما يزيد عن عشرين سنة، بخفة وهدوء، جالبا معه البشر والسعادة، طرق باب غرفتها وفتحه في رفق قائلا "...عندك دقيقة؟" رفعت رأسها من رقدتها على الفراش ناظرة إليه… يا إلهي لقد مرت سنوات وسنوات. "لو المسألة جد عندي عشرة". ابتسمت عيونه وقال:" جد جدا " ...دخل وأغلق الباب. (7) في التحرير استيقظت في الصباح على يد صغيرتها وهي تهزها كالعادة، كم ترجتها أن تتركها لحظات لتنام يوم إجازة وتود لو ترتاح قليلا، ولكن ساعة صغيرتها البيولوجية ضبطت على موعد المدرسة كما هي العادة، في السادسة تماما تستيقظ وتوقظ أمها ثم أخاها بالتبعية. فتحت عينيها وابتسمت وهي تقول: كنت سبتيني شوية يا دودو، أجابت الصغيرة بمكر: أصلي حاسة إن فيه وحش في البيت، ويمكن كمان راكب تنين، ومعاهم أمنا الغولة، قاطعتها هامسة لكي لا توقظ زوجها الذي يغط في نومه بجوارها: إذا كانوا كل دول موجودين يبقى نقوم نعمل حفلة بقى. ضحكت الصغيرة فوضعت أمها يدها على فمها وهي تشير لأبيها النائم، تسللتا خارج الغرفة. أعدت الإفطار للصغيرة التي تسحبت إلى الداخل مرة أخرى وعادت بأخيها متذمرا لأنها لا تتركه ينام حتى في فترة الإجازة الإجبارية هذه بسبب حظر التجول المفروض على البلاد منذ يوم 28 يناير، طيبت أمه خاطره وأعدت لهما الإفطار، جلسوا يتناولون إفطارهم بينما هي تجهز إفطارا خاصا لزوجها، إنها فترة لا تعمل فيها إلا من المنزل نتيجة حظر التجول، فتنتهز الفرصة لتدليله قليلا، حيث لا تسمح حياتهما اليومية بأي تدليل، من العمل إلى المنزل إلى المذاكرة مع الصغيرين، فرغم الأزمة الحادة التي تعبر بها مصر لكنها فرصة للتلاحم الأسري الكامل. حظر التجول لم يكن له تأثير مع زوجها، فمنذ نزل يوم 25 وقد ترك عمله وترك القراءة والكتابة وأصبح لا يفعل أي شيء سوى الذهاب إلى التحرير، والبقاء هناك حتى العشاء، ولا يعود إلا مضطرا للمشاركة في اللجان الشعبية القائمة في الشارع، وها هو اليوم الخامس بعد يوم 28 وهي متأكدة أنه فاعل ما فعل في الأيام السابقة. قال لها صغيرها: ماما.. ياريت الحظر يفضل علطول، عشان تدلعينا كده علطول، ابتسمت وقالت له: آه يا عفريت، ترك مقعده واحتضنها، وانضمت لهما الصغيرة في حضن كبير حتى أوقعاها على الأرض، وظلا يعتصرانها حتى سمعا صوت أبيهما: صباح الفل على المجانين الاتنين وأمهم . بابا بابا...هيه، قاما وهجما عليه، بينما يبعدهما برفق عنه قال: كملوا فطاركم عبال ما أصلي..انهارده لازم نكون هناك عشان الخطاب المزفت بتاع امبارح، عايز أكون هناك من بدري، قالت له زوجته: مالك ليه شكلك تعبان طلعت امبارح ستة من اللجنة، وكان لبش وتوتر، وما عرفتش أنام من الفرح اللي اتنصب عند مصطفى محمود ده فضله يغنوا لحد الفجر. أيوه أنا سامعاهم بقى ده معقول، ناس في التحرير بتدي حياتها، وأنصار مبارك مشغلين دي جي. يا حبيبتي دول حولوا مصر لكباريه كبير...فليه لأ ...طبعا أنصاره يعملوا كده ونص... تحضري لنا القهوة عبال ما صلي. أنا بحضر فطار لا والله مش قادر...قهوة بس. حدثتها أخته هاتفيا بينما تصب القهوة: هه هاتعملوا إيه النهارة؟ مش عارفة ...أخوكي رايح التحرير وبيني وبينك أنا عايزة أنزل معاه النهاردة، خايفة الناس عددها يقل بسبب خطاب امبارح والتعاطف اللي عمله للناس والدوشة بتاعة الإعلام والحرامية اللي بيقولوا في كل مكان...بس مش عارفة أسيب العيال فين؟ بابا نزل اليومين اللي فاتوا وتعب فماما مش هتقدر تيجي عشان العيال. طيب لمي الليلة بسرعة، وهاتيهم عندنا، وارجعوا قبل الحظر عشان تاخدوهم. ربنا يخليكي يا هقوله... ولو إنه نكد عليا جامد في النزول يوم 29 ويوم 30 خايف يحصل حاجة، قاطعتها أخته: بلاش الكلام ده بقى كله هيعدي إن شاء الله، هو برضه لازم يهدى شوية، مش مصدقة الثورجية اللي بقى فيها ديه! بيكلمنا كلنا على إننا خونة عشان مش بننزل، وبعدين الراجل خطب وقال كله هيبقى تمام خلاص ليموها بقى، بصي بلاش كلام كتير جهزي العيال..هاتي معاهم لبس نوم عشان لو اتأخرتم...يلا سلام. أخذت القهوة لها ولزوجها وذهبت بها حيث يجلسان كل صباح لاحتسائها قرب النافذه المطلة على البطل أحمد عبد العزيز، بينما تضع الصينية وزوجها ينظر لها مبتسما، سمعا صوت طلقات رصاص متتالية، قفز عليها زوجها وألقاها أرضا هي وصينية القهوة، همس لها وهما على الأرض معا ازحفي لحد ما توصلي للمكتب لا تقفي إطلاقا... الرصاص ممكن يعدي من الزجاج، أنا هنزل... لسه شباب الحراسة تحت، زحفت حتى وصلت للمكتب، بينما تقف سمعت صوت غلق الباب، اتصلت به على المحمول أغلق عليها، وبعد قليل اتصل بها: قولي للولاد ما حدش يقف جنب أي شباك إطلاقا، مدام الرصاص بدأ يبقى خطر أوي الغرف الأمامية...اوعك تنسي. الله إنت مش طالع؟؟؟ لا أنا واقف شوية هنا العربيات الفيميه اللي عدت امبارح وضربت رصاص بالليل هي نفسها اللي عدت دلوقت لازم نبين كترتنا شوية وبعدين هطلع على الميدان، والبركة هنا في الشباب. بس يا حبيبي أنا كنت عايزة أقولك، قاطعها: مش وقته يا حبيبتي. أغلقت الخط وهي تفكر، ثم قررت، ذهبت أعدت الحقيبة لطفليها أشركتهما في الأمر، أخبرتهما أنها ذاهبة إلى الميدان وأن والدتها لن تأتي؛ لأن جدو تعب من النزول فلازم تجلس معه شوية، كلا منهما اختار ما سيأخذ من ملابس وأخذ قصة ليقرأها مع أولاد عمتهما، أخذا جهاز "الآي باد" دخلت ارتدت ملابسها، ملابس سوداء وبلوزة بيضاء وإيشارب أحمر، ألوان علم مصر، أخذت الصغيرين، وهم على الباب، قالت: افتكرتم الشواحن بتاعة التليفونات والآي باد، ركض الصغير أحضرها وعاد مبتسما، أغلقت الباب بالمفتاح بعد مغادرتهم، نزلت السلالم، وجدت عبد الحميد وبعض الجيران الرجال، ألقت التحية، سار بجوارها عبد الحميد قائلا: عنك يا هانم. أعطته الحقيبة وقالت: عبد الحميد ممكن تمشي معايا لبيت مدام نورة؟ طبعا يا فندم...بس لمواخذه فيه إيه؟ لأ العيال هيزوروهم. وحضرتك لمؤاخذه رايحة التحرير؟ عرفت منين يا عبد الحميد؟ أهو كل ستات العمارة نزلت النهاردة لابسين علم مصر وراحوا التحرير، حتى لمواخذه الناس اللي مأجرين خدوا برتقال ويوسفي وراحوا عشان يأكلوا العيال في التحرير، ومدام سيادتك لابسه علم مصر يبقى رايحة، محدش راح من الرجالة إلا جوز حضرتك، إلا ما روحتوش مع بعض ليه؟، وابتسم ابتسامة من يفهم كل شيء، تجاهلت سؤاله وسارت تمسك يدي ولديها وهو يمسك الحقيبة، وصلت عند أخت زوجها تركت ولديها والحقيبة، قبلتهما وهي توصيهما ببعضهما نظر لها الصغير نظرة قلق وقال: ماما هو حسني مبارك هيقتلكم في التحرير؟ لا يا حبيبي مش هيقدر، ولو حصل يبقي إحنا إيه؟ شهداء يا ماما...وهتخشوا الجنة، بس أنا عايزكم شهداء لما أكبر شوية مش وأنا صغير كده، أخذته في حضنها وهي تقول: انسى الكلام ده والعب دلوقت مع ولاد عمتك، سلمت على نورة وهي تهمس في أذنها أن تخلي بالها من العيال، استعجبت نورة من كونها ذاهبة وحدها، وعدتها أن تجد أحدا تذهب معه. نزلت لتجد عبد الحميد منتظرها أسفل العمارة وهو يقول: هوصلك يا فندم... توصلني فين ؟ التحرير. لا يا سيدي ارجع إنت. لا يا فندم لا يمكن أبدا. يا سيدي العمارة هناك محتاجاك، قالت هذا وغادرته دون انتظار لجوابه، كلمت هالة وهي في طريقها: هالة إنت رايحة؟ أيوه ده أنا على الباب. استنيني خطوتين وهكون عندك. هستناك تحت ماشي باي، وصلت لتجد هالة في انتظارها أسفل العمارة، بادرتها: إيه يا عم الشجاعة ديه؟ ومن غير جوزك كمان...ده احنا كنا في جرة وطلعنا لبرة. اسكتي بقى ...هنشتري علمين كبار واحنا رايحيين وشوية أعلام صغيرة نوزعها على الأطفال ماشي يا ستي بس ناخد معانا شوية برتقال وعلب عصير عشان أحطهم في الميدان، سارتا معا يلفهما الصمت، أخذتا شارع البطل سيرا ودخلتا من ميدان فيني، إلى الكورنيش ثم كوبري الجلاء ثم قصر النيل، وجدتا أنفسهما في الميدان، توجهتا إلى المكان الذي يوضع فيه الطعام وضعتا البرتقال وعلب العصير، وجدتا الكثير من الطعام، مياه، أرغفة خبز، جبن مثلثات، همست هالة: شعب عظيم...والله ها يمشي ها يمشي.. بكره تقولي هالة قالت. هالة ...هيمشي أنا ما عنديش شك، ما دام الجيش نزل يبقى خلصت، أخذتا تلفان الميدان وتهتفان بكل ما فيهما من قوة مع المجموعات الواقفة، تنضمان كل مدة لمجموعة وتباعا يتغير هتافهما، فجأة وهي واقفة بجوار مجمع التحرير وتهز العلم بيدها يسارا ويمينا وتقول: هو يمشي...مش هنمشي، وجدت من يمسك يدها والعلم بقوة، التفتت بسرعة كان زوجها ورأت نظرة الغضب في عيونه، بتعملي إيه هنا...والولاد فين..ما قلتيش ليه؟، رأته هالة جاءت للسلام عليه همست: يعني إنت مش خسارة في مصر وأنا خسارة. بعدين ... بعدين، سلمت هالة عليه، هالة ابنة أحد أصدقاء والده، وهي في الأصل صديقته هو، وعندما تزوج انسجمت جدا مع زوجته وصارتا أعز الأصدقاء، حيته بعد السلام قائلة: براءة يوم 28 كتر خيرك إنك كلمتي الست هانم يومها، ما خطرش في بالي خالص. لا شكر على واجب يا سيدي، بس البنت اللي دخلتنا المحل عشان نتكلم منه لازم نشوف طريقة نشكرها بيها، دي الناس كانت طوابير على الكشك وهي لم تتردد فتحت المحل للناس تتكلم وببلاش. المصريين ما فيش زيهم يا هالة، لولا اللي كابس على نفسنا 30 سنة، الهي يغور بقى، كانت هناك إذاعة نصبها أحد أصدقائه القدامى تبث من جوار كنتاكي، أخذهما إليها، وجدوا متحدثين كثر، كلهم يحثون الناس على الاستمرار في الميدان والوقوف صفا واحدا بلا فرقة، وجدوا الخيام وقد كثرت عن الأيام السابقة، استمعوا قليلا ثم أخذوا جولة في كل الميدان، أخذوا يحيون رجال الجيش، وهم يبادلونهم تحية بتحية ويقولون بهمس: اصبروا فرجه قريب، وزوجها يرد: عالله. رن موبايل هالة، بعد أن ردت أخذت تصرخ وتقول: مش معقول مش معقول، ردت وهي تقول: يا جماعة لازم نمشي دلوقت حالا. ليه ؟؟ مظاهرة مصطفى محمود جايه على هنا ...في التلفزيون بيقولوا كده...ديه هتبقى مدبحة أنا قلبي مش مطمن، نظر زوجها لهما بصرامة وقال: امشوا دلوقت أنا قاعد. بس يا حبيبي... ما بسش...اسمعي كلامي ولو مرة...إنت عندك عيال، وهالة عندها بنتها...هالة انتوا جيتوا إزاي؟. من فيني. لا اطلعوا دلوقت من الناحية التانية من عند المتحف، هما هييجوا زيكم أكيد، يلا مع السلامة، احتضنته زوجته في الميدان، بينما بوغت هو واحمر وجهه، أبعدها وهو يبتسم في ارتباك: يلا يلا. كانت هالة مرتبكة، فابنتها وحدها في المنزل، أصرت عليها ألا تنزل اليومين اللي فاتوا، بعد اختناقها يوم 28، لأول مرة تخاف، أو تقلق، حتى عندما وقعت ابنتها في حضنها مغمى عليها من جراء القنابل المسيلة للدموع عند شيراتون القاهرة لم تقلق، جربت كل هذا من قبل في الجامعة، مظاهرات مع العراق مع فلسطين، ولكن قصص البلطجية جديدة، ضغطت على يد صديقتها وهما تقتربان من المتحف، وجدتا الجموع تجري تجاههما: في إيه؟ في جمال وحصنة داخلة بسرعة. اجروا... سمعت صوتا ثانيا يصرخ فيهما، تسمرتا مكانهما لا تستطيعان حراكا، حتى وجدتا جملا ومجموعة خيول أمامهما ويدخل معهما مجموعة من البلطجية شاهري السيوف، لم تشعرا إلا وشخص يقفز عليهما ويجرهما بجسده القوي إلى جانب الطريق، وقع ثلاثتهم أرضا بينما حوافر الخيول تمر أمام عيونهما، رفعتا رأسيهما لتجدا شابا ملتحيا قوي البنيان فوقهما وهو يقوم ويقول: آسف كان لازم أعمل كده كنتم متسمرين، ردتا عليه بالشكر، لم ينتظر ليسمع كان يصرخ في شخص آخر، مايكل خد أحمد ونطوا من فوق، ديه الطريقة الوحيدة عشان نوقفهم تسلق الشابان سريعا عمودا أمامهما في مرونة هائلة، قفزا على الخيول واحد وقع على جمل وأوقع الجمل والجمال على الأرض، والثاني وقع أمام الحصان قفز مبتعدا للخلف ولكن مد قدمه أمام رجل الحصان فإذا بهذا الأخير يتعثر ويقع هو وراكبه، هجم الشباب على الدابتين وعلى راكبيهما انهالوا عليهما ضربا، والكل يصرخ الله أكبر الله أكبر الله أكبر. أسرعت هالة وصديقتها وهما تكادان تسمعان صوت ضربات قلبيهما، دارتا حول المتحف على أمل أن تصلا إلى الكورنيش ومن هناك تتجهان للمهندسين، قالت صديقتها وهما تركضان: عارفة أحمد ده...اللي كعبل الحصان...ده بيشتغل وكيل نيابة وهو أخو الضابط محمد اللي ساكن عندنا في العمارة، ده الدنيا صغيرة أوي، نجحتا في الخروج من الشارع الصغير بين هيلتون النيل والمتحف ووقفتا لالتقاط الأنفاس في اللحظة التي وقف أمامهما ميكروباص، فتحت أبوابه ونزل منه أربعة رجال: كنتم فين يا روح أمكم، دفعوهما إلى الداخل وانهالوا عليهما ضربا بالأيدي وبعصيان غليظة وسبابا بأفظع الألفاظ، و هالة وصديقتها تصرخان بكل ما لديهما من قوة وتبادلانهم ضربا بضرب على قدر طاقتهما، امتدت يد البلطجية لجسديهما قرصا وإهانة ويزداد صراخهما، بعد برهة وقف الميكروباص فجأة وألقوا بهما إلى قارعة الطريق وأحدهم يصرخ: الستات اللي تسيب بيوتها وتصيع تستاهل أكثر من كده، عاملين فيها مناضلين...ده انتوا شوارعية ولاد كلب...اسفخس عليكم وعلى اللي مسرحينكم في الشوارع، وقعتا على الرصيف، تمالكت هالة نفسها وقفت وهي تتأوه وأخذت تشير في الاتجاه الذي سار فيه الميكروباص، وتسب راكبي الميكروباص بأقذع الألفاظ وهي تقفز، لم تتحرك صديقتها من على الأرض ... اقتربت هالة منها وهي تناديها، لم ترد وكانت عيناها مغمضتين، ركعت هالة جوار صديقتها ورفعت رأسها لتجد بركة من الدماء تحت رأسها. (8) قلوب البنات الأب جالس على المكتب يقلب في كتاب ويأخذ منه ملاحظات في وريقات صغيرة، الأم على أريكة بجوار المكتب تشاهد التلفزيون...تدخل الابنة بابا...أبي. نعم. أنا بحب حسام. يرفع رأسه من فوق الكتاب ويقول مندهشا: نعم. الابنة بتأكيد: بحب حسام. تتدخل الأم: حسام مين؟ حسام جارنا. يقول الأب بهدوء: وحبتيه إزاي؟ شفتيه فين؟ شوفتي شراباته متعلقة على الحبل فحبتيه من شراباته ولا إيه يعني؟ لأ طبعا مش كده. شفتيه فين علشان تحبيه؟ مرتين تلاته لما بطلع أزور ثريا بيقعد معانا أحيانا. فكريني كده إنت في سنة كام؟ في أولى إعدادي. الأم متدخلة: مش شايفة إن الكلام ده لسه بدري عليه؟ لأ ياماما...أنا مش عايزة أكمل دراستي...أنا عايزة أتجوز وأقعد في البيت. عظيم... يعلق الأب مغتاظا، ثم يقول بهدوء: طب ممكن تسبيني أنا وأمك نتكلم شوية، فيه موضوع مهم عايزها فيه. طب رأيك إيه الأول؟ في إيه؟ في موضوع حسام. هقلك بكره. تتجه الابنة إلى خارج غرفة المكتب وهي تقول: تصبحوا على خير. تلتفت الأم إلى الأب وهي تربت على كتفه وتقول: معلش هدي نفسك البنت صغيرة ومش فاهمة هي بتقول إيه، تلقيها شافت فيلم لعبد الحليم ولا حاجة، المهم هنقولها إيه؟ يا شيخة أنا كان نفسي أديها بالقلم، ولا أقولها غوري من وشي، دي حاجة تفلق إحنا دلعنا البنت دي دلعناها أوي شوفي ولاد العيلة التانيين كله بياخد بالجزمة، دي باظت علشان بنت وحيدة...آل بحب حسام آل..آل تصبحوا على خير آل. معلش معلش...دي عيله. هفكر شوية وبكره يحلها الحلال، بس طلوع تاني عند ثريا مافيش خلاص. الأم ضاحكة: طبعا وهي دي فيها كلام. صباح اليوم الثاني يطرق الأب باب الابنة: صباح الخير. صباح النور يابابا. بالنسبة للموضوع اللي اتكلمنا فيه إمبارح، أنا فكرت إنك لازم تستني شوية وماتحبيش حد دلوقت. ليه يابابا؟ علشان لازم تاخدي الإعدادية الأول. بس أنا خلاص زهقت من المدرسة ومن المدرسين. معلش اصبري لحد الإعدادية...على الأقل يبقى معاك شهادة. طب وحسام؟ هقولك حاجة...الحب ده حاجة جميلة جدا...بس نخليها في قلبنا لحد ما تخدي الإعدادية، ساعتها لو لسه بتحبي حسام نتكلم تاني، اتفقنا؟ بعد تفكير: اتفقنا. بس عندي شرط.. ما حدش يعرف الموضوع ده إلا أنا وماما، يعني ما تكلميش حد تاني فيه أبدا ولا حتى ثريا. اتفقنا يابابا. طب فين بوستي بقى؟ تحتضنه وتقول: يا حبيبي يابابا. تمر أيام ... بابا...أبي. الأب مستغرق في العمل ولا يرد لأول وهلة. بابا... أبي. أيوه يا حبيبتي. ممكن أتكلم معاك؟ طبعا اتفضلي. أنا.... أيوه . أنا بحبك أوي..إنت وماما... وكمان حسين. نعم ياختي...مين حسين ده؟ ده ابن عم دينا زميلتي في الفصل. وانتوا بقى لما بتشوفوا بعض بتذاكروا ولا بتحبوا؟ بابا لو سمحت أنا بتكلم بجد. طيب مطلوب مني إيه دلوقت؟ أنا مش عارفه أعمل إيه؟ فيه إيه؟ تفتكر أقوله؟ نعم...هو حسين بيه ما قلش حاجة ؟ لأ يابابا، وتنفجر باكية. يحتضنها الأب ويقول: طب بس بس... اهدي وأنا هروح أعمل فنجان قهوة وبعدين نكمل كلام. يغيب الأب برهة ثم يعود حاملا فنجان القهوة، يضعه على الطاولة المجاورة للأريكة في غرفة مكتبه، ويتخذ مجلسه بجوار الابنة التي مازالت تجفف دموعها بالمنديل الورقي وقد احمرت عيناها وأنفها، يضع يده حول كتفها ويقول:بصي بقى...أنا مش هقولك زي خالك ماقال لبنته أنا ما عنديش بنات تحب، ولا إيه الكلام الفارغ ده، إنت بنت كبيرة في ثانوية عامة، وكلها سنة ومش هعرف عنك حاجة إلا اللي إنت عايزاني أعرفه، بس بفكرك بحديث علمتهولك زمان لما خبيتي روايات عبير في الشنطة وكنت بتقريهم من ورايا، فاكرة الحديث ده؟ أيوه فاكرة ...الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس. برافو، نيجي بقى لموضوع حسين...فيه قصيدة جميلة لنزار قباني بيقول فيها كلام كتير بس من أهم ما فيها لما بيقول لحبيبته: حسبي وحسبك أن تظلي دائما... سرا يمزقني وليس يقال. يعني إيه يابابا؟ يعني هو بيحب بس لسبب أو آخر مش قادر يعلن حبه ده فبيتعذب بيه وهو ساكت، فاهمة؟ مش أوي. يعني إذا الحب مش من الطرفين زي حالتك إنت وحسين يبقى نخليه جوانا ومنطلعهوش أبدا بس هو كل تصرفاته بتقول إنه بيحبني. فيه رجاله كتير كده...كل تصرفاتهم تقول إنهم بيحبوكي بس ما بيكنوش بيحبوكي بيلعبوا بالناس. بس حسين مش كده. يرفع الأب يده من فوق كتف ابنته ويقول لها: طبعا أكيد، حسين ده ملاك. بابا أنا مش بهزر. ولا أنا.. طب ماشي حسين ملاك، بس هتقوليله بحبك هيقلك متشكرين، هتعملي إيه؟ في الحاجات اللي زي كده لازم الراجل هو اللي يبدأ. بس السيدة خديجة هي اللي طلبت تتجوز الرسول عليه الصلاة والسلام. أيوه يا حبيبتي...ده سيدنا محمد ودي السيدة خديجة أم المؤمنين، مش حسين وليلى، وبعدين إحنا لازم نركز دلوقت في المذاكرة فاضل شهرين على الامتحانات، واحنا متفقين على طب زي بابا وماما مش كده؟ أيوه كده. يبقى اتفقنا، نخلص الامتحانات، وبعدين نكلم... ده في حالة إن حسين قالك حاجة، لو حسين ماقلش يبقى هنستنى لحد ما حد محترم ييجي ويقول...مش كده ولا إيه؟ حاضر يابابا. بس مش عايزك تذاكري عند دينا تاني، دينا لو عايزه تذاكر معاك تجيلك هنا. ليه يابابا...هي دينا ذنبها إيه؟ مالهاش ذنب بس أنا مش عايز حسين يفتكر إنك بتفرضي نفسك عليه، مش كده ولا إيه؟ ولو حسين بيحبك ولقاك اختفيت هيحاول يوصلك صح؟ فندي فرصة لكل الحاجات دي تحصل ونشوف. صح...مش عارفة أعمل من غيرك إيه يابابا؟ تقبله وتحتضنه. طيب تصبحي على خير. وإنت من أهله. يدخل الأب غرفة نومه، يفتح النور ويقول لزوجته التي تململت في الفراش: إنت نايمة وسيباني في العكة دي لوحدي. عكة إيه لا سمح الله؟ بنتك يا ستي. مالها؟ بتحب. مش هنخلص من العفريت ده ولا إيه؟ ويضحكان. مرت أيام أكثر من الأولى... الساعة التاسعة مساء، صوت موسيقى كلاسيك ينبعث من داخل العيادة، رائحة السيجار تغمر المكان، يدق جرس العيادة. يفتح الأب الباب يقول بتجهم: تفضل، ويقود الزائر إلى غرفة العيادة الرئيسية حيث مكتب الأب، يشير إلى الزائر أن يجلس. يتخذ الأب مجلسه على مكتبه الكبير، ويمضي بعض الوقت وهو يرتب بعض الأوراق على المكتب، بدأ الضيف يتململ ويزفر زفرات قلق، وأخيرا يلتفت إليه الأب وهو يقول: خيرا؟ يرد الزائر: حضرتك اللي طلبت تقابلني. أيوه صحيح. طيب. لأ مش طيب...قلي ياابني...إنت في سنة كام؟ زي ما حضرتك عارف إحنا في امتياز، أنا زميل ليلى. أيوه أنا عارف طب وإنت بقى فاضي في امتياز ما وراكش حاجة إلا إن إنت تطارد بنتي بتلفوناتك طول الوقت وتمشي وراها بعربيتك ليل ونهار؟ لأ يا فندم حضرتك يا دكتور فاهم الموضوع غلط يقول الأب مقاطعا: إزاي بقى؟... يا ريت حضرتك تفهمني أيوه مانا جي لك في الكلام أهه، أنا وليلى بنحب بعض. الأب مقاطعا: لأ كنتم بتحبوا بعض...دلوقت خلاص ومتهيألي ليلى كانت واضحة جدا معاك في الموضوع ده. حضرتك إحنا اللي بيننا كبير أوي...مش ممكن يخلص بكلمة...دول خمس سنين...حضرتك مش عارف اللي كان بنا. الأب مقاطعا مرة أخرى وقد ارتفع صوته في غضب عارم: مش عارف اللي كان بينكم...طب بص يابني...أنا هقصر عليك السكة، نمتم مع بعض، كان بينكم عيال، مهما كان اللي بينكم... لأ يا فندم ما تفهمنيش غلط. الأب: اخرس خالص، اخرس واسمع، مهما اللي كان بينكم خلاص يا سيدي خلص وهي مش عاوزه تشوف وشك، هو إيه الحب والجواز بالعافية؟ اعقل كده واتلفت لمستقبلك، وإلا والله العظيم هندمك، فاهم؟ هندمك. يا فندم...أنا بحب ليلى. حبك برص...إنت ما بتفهمش، البعيد غبي، هي قلتلك الموضوع خلص، وأنا أبوها دلوقت بقولك مش عايزين نسمع عنك تاني، فاهمني؟..أظن إني واضح جدا. واضح يا فندم. شوف بقى...ليلى وصلتلك الرسالة دي...فضلت تضغط عليها لحد ما أمها كلمتك وكمان مافهمتش، دلوقت أنا اللي بكلم، بعد كده مش هيبقى فيه كلام هيبقى وقت الفعل...رسالتي وصلت؟ أيوه وصلت...خلاص أنا فاهم. فيه حاجة تانية؟ لأ يا دكتور شكرا. "ركز في مستقبلك يا ابني وربنا هيرزقك بأحسن من ليلى إن شاء الله...مع السلامة. يقوده لباب العيادة ويغلق الباب وراءه، ينتظر الأب خمس دقائق ثم يخرج هو أيضا. في المنزل يفتح الأب الباب، تأتي الأم راكضة: هه إيه الأخبار؟ يرد الأب: الموضوع خلص خلاص، تزفر الأم بارتياح: الحمد الله ده البنت بقالها شهر ما خرجتش ولا أكلت مرعوبة ليطلعلها في أي حته. بقولك إيه... بنتك حمارة، ده الواد كتلة غباء، إيه يعني الأول على الدفعة بس غبي...حد يحب حد غبي كده...الحمد الله خلصنا. طب لو ظهر تاني؟ مش هيظهر...رسالتي كانت واضحة. طب ممكن تقولها؟ لأ مش قادر أشوفها دلوقت، متغاظ منها، كل العواطف اللي خدتها في البيت كان المفروض تخليها تختار حد أحسن من كده...إيه الخيبة ديه، أدخليلها إنت وأنا هحضر العشا. وأخيرا... ماما.. بابا فين؟ حضرتك شرفتي...يا بنتي فيه حظر تجول والناس ما ينفعش ترجع متأخر كده. ما تخافيش يا ماما بنطلع التحرير مجموعة وبنرجع منه مجموعة والولاد بيوصلوا البنات. بابا فين بقى؟ في مكتبه...ليه؟ مافيش بس عايزاه في موضوع. خير؟ هقلك بس لازم أقوله الأول. إنت هتضحكي عليا؟ ترد وهي تضحك: والله أبدا. تطرق باب المكتب وهي تقول: بابا...أبي أيوه يا حضرة الدكتورة نعم...إيه اللي أخرك كده؟ معلش آسفة...كنا في التحرير، ما إنت عارف، بس عايزاك في حاجة أهم من التأخير ممكن توطي التلفزيون شوية؟ يمسك الريموت ويخفض صوت التلفزيون ومازالت عيناه عالقتين بالأخبار على الشاشة وهو يقول: خير؟ هاني عايز يكلمك. هاني مين؟ هاني الصواف. طب وهو هاني عايز إذن، ما هو طول النهار معايا في الجامعة وبليل في المستشفى وبيجيلي كل خميس علشان رسالته بس مختفي من يوم 25 قلت أكيد اتهف ونزل التحرير هو كمان. أيوه ما احنا بننزل مع بعض التحرير. قولتيلي بقى، طب ما ييجي في أي وقت إيه المشكلة يعني؟ لأ...هو عايز ميعاد رسمي يعني. هاني...ابن عمو سيد عايز ميعاد إنتم هبل...ده بيته. أيو يابابا...افهمني بقى. التفت إليها: هو في إيه؟ ترتمي في حضنه وهي تقول ...أصله قالي إنه بيحبني وعايز يتجوزني. رفع حاجبيه من المفاجأة، نظر إليها لحظة متأملا، ثم ضمها ضاحكا وهو يقول: ياربي...تانيييي. وبالريموت الذي في يده أغلق التلفاز بينما يربت عليها في حنان. (9) عبد الحميد البواب حاضر...جي...طالع أهه، هكذا رد عبد الحميد البواب على الساكنة الجديدة في عمارة المهندسين الواقعة بالشارع العريق وهي تصرخ من المنور منادية له، عُمر ما حد من السكان نادى عليه من المنور، كل السكان ناس شيك وراقية، بيض وملونين، ما عدا السكان المسيحيين في الدور السادس، بيض صحيح بش مش ملونين، ولكن منذ جاءت هذه السيدة المحجبة وهي تقوم بأشياء غريبة، تناديه من المنور، تنزل له طعام الغداء، على صينية ريفية كبيرة، تفتح الباب وتتركه واقفا بينما تدير هي شؤون المنزل في كثير من التفاصيل، تطل من الشباك حاسرة الرأس وهي تنشر الملابس وتكلمه عادي وهي مطلة من البلكون، هم أكيد مش أصليين من المهندسين، هما شبه العمدة اللي في البلد ومراته، ناس مرتاحة بس شبهنا. وصل للباب ناولته صينية الطعام، وهي تقول: المره دي مش غدا ده فطار، أصلنا هنحصل البيه على البلد ... ، شكرها وهو يبتسم تلك الابتسامة الكبيرة التي تظهر أسنانه النظيفة التي يحرص على الاعتناء بها. وصل لغرفته أسفل العمارة ووضع الصينية محدثا نفسه إنه سوف يتغدى بها مع أخيه وأولاده القادمين لتمضية يوم الإجازة في حوش العمارة معه. بينما هو يمضي الوقت أمام العمارة في التداول مع البوابين والحرس في مختلف الأمور ، بدأ يلاحظ (وهو من لا تخفى عليه خافية في الشارع) ظهور بعض المخبرين ذات اليمين وذات اليسار بيتلطعوا كده في الشارع، همس لبواب العمارة التي بجانبه: ملاحظ، رد الآخر: جدا...ده فيه أمن مركزي مستخبي ناحية المصل واللقاح كمان. الله هو فيه إيه؟ الشرطة هتنزل تحتفل بعيد الشرطة في الشارع؟ لأ ده بيقولوا فيه مظاهرات النهاردة كبيرة أوي. عايزين إيه؟ والله ما أنا عارف...شوية مخابيل، هو فيه حد يتظاهر ضد الحكومة، اللي عايز يتظاهر يتظاهر في بيتهم مش في الشوارع والخوته بقى إياها، ربنا يقطعهم. طيب أنا هاستفهم من محمد باشا...ما نزلش النهاردة، وهو ينهي الجملة كان محمد بيه نازل وهو لابس مدني ولكن شكل الطبنجة واضح في البنطلون جنب الجاكت، هرول إليه وهو يقول: مش رايح الشغل يا باشا، ألمعلك العربية؟ لا لا ما مفيش داع أنا رايح للشباب، وأشار بيده لمجموعة الضباط الواقفين على ناصية جامعة الدول. بالسلامة يا باشا، رجع لصديقه البواب وهو يقول: ديه هتبقى عركة عركة للركب، مدام لابس مدني مش ملكي، ربك يستر لو فيه مظاهرة يبقى العيال هتتعجن، دول ناس مفترية ما تعرفش ربنا. معلوم. بينما يعد القهوه على الكنكة التي أعطتها له الساكنة الجديدة في المنور حيث يسكن- المنور الذي رفض السكان حتى بناء غرفة له فيه، وينام بين المواسير والبلاعات على فراش أخذه من أحد السكان عندما كان يجدد شقته- شتت انتباهه أصوات كثيرة قوية في الشارع، ترك القهوة على النار وخرج مسرعا، وجد مجموعات كبيرة من الشباب تصرخ بقوة وهي تحمل أعلام مصر "مساواة..حرية.. عدالة اجتماعية"، ووجد جحافل من الأمن المركزي على جنبات الطريق في مشهد يبدو وكأن الجموع المتظاهرة تسير في حماية الشرطة، ضرب بعينه وجد أن آلاف الجند من الأمن المركزي تتمركز على أعلى كوبري أكتوبر، ضرب كفا بكف وهو لا يدري هل هو سعيد أم لا؟، ناس كتار وبيهتفوا ضد الحكومة، ديه حاجة ولا في الأحلام، تجمع حوله البوابون والباعة من المحلات، والكل ينظر في ذهول لجموع الشباب وهي تنظر للناس في المنازل وتقول "انزل..انزل" نظر للعمارات وجد آلاف آخرين ينظرون من الشبابيك والبلكونات، البعض صامت والبعض يهتف مع الشباب، نظر بجواره وجد بعض المخبرين ممن يعرف، تمتم وهو يشير لهم بيده تعظيم سلام " ربنا يستر" بينما هو يتمتم، شعر بمياه تصب من أعلى على المخبرين والضباط، بينما تعالت صرخات المخبرين ممن غرقوا بالمياه، رفع رأسه لم يجد أحدا، وجد جردلا آخر من الاتجاه الآخر يغرق المخبرين، بدأ الجميع يصرخ ويسب، وتقافز الضباط والمخبرين على مدخل العمارة يريدون الصعود للشقة التي ألقت المياه: فين الزفت البواب؟ صرخ أحد الضباط الصغار، رد: أنا ..أنا خير يا باشا؟ مين اللي بيحدف ميه من عمارتكم؟ اطلع معانا، طلع الجميع معه، هو يعرف إنها شقة السكان الجدد، ضرب الضابط الجرس عدة مرات في عجالة، فتحت السيدة وهي بالإسدال.. إيه فيه إيه؟ مين اللي بيحدف ميه عندكم، ديه جريمة مقصودة إحنا هنخدكم القسم، صرخت السيدة: قسم... قسم إيه؟ عمري ما شفت حد بيروح القسم عشان بينضف، إنتم إيه اللي موقفكم تحت البلكونة؟...أنتم مين أصلا؟ إنتم بتتهجموا على حرمة بيت، والبواب شاهد همس عبد الحميد: دول مخبرين يا فندم، صرخت: أنا هطلب مكتب وزير الداخلية دلوقت، هفضحكم، بتتهجموا على الناس في بيوتها، أربكهم هذا التهديد وهذه الثقة بينما خرج الساكن في الشقة المقابلة ، وتدخل للتهدئة، كلمة من هنا وكلمة من هنا هدأ الموقف، وتوصية أن الشغالة تخلي بالها بعد كده، بينما نزلوا جميعا، همس عبد الحميد: بس الميه كانت نظيفة يا فندم، ردت عليه مبتسمة وغامزة: ده أنا لو أطول كنت دلقت زيت سخن، ولاد الكلب واقفين يصوروا ولاد زي الفل عشان يجيبوهم من قفاهم بعد كده اسفخس، نزل عبد الحميد وهو مبتسم: لا ست جدعة...أصليين من المهندسين ولا مش أصليين مش مهم، المهم الجدعنة. عندما وصل إلى المدخل وجد المستشار وزوجته نازلين، لاحظ صباحا إن عيالهم نزلوا مع جماعة قرايبهم، قال: بلاش يا باشا يمين عشان المظاهرات، خدوا الشمال، رد عليه المستشار إحنا رايحين يمين يا عبد الحميد مش سامع العيال الصغيرة بتنده وتقول ...انزل، وقف عبد الحميد مشدوها غير مصدقا أن القاضي الأبهة هيمشي ضد الحكومة، بينما جارهم الضابط على الناصية المقابلة يراقب الموقف وفي يده السيجارة. (10) المسافر اتصل بها أخوها الصغير وهو يقول: فاضية النهاردة؟ هعدي عليكي بسرعة. ماشي يا سيدي لما نشوف، وكعادته لم يمر. في اليوم التالي طلبها: إنت فين؟ في الشغل. طب بصي أنا على الكوبري، طالع من المليونية، طيارتي كمان ساعة ونصف، معنديش حد يوصلني، ممكن توصليني، قلت له طبعا، لم تخض في تفاصيل مثل: وازاي ماشي كده بسرعة؟ أو طب إزاي ماتقوليش إنك مسافر؟ ولا مالحقتش تقعد مع ولادي عايزاهم يعرفوا خالهم، ولا حتى راجع إمتى؟ ولا مليونية إيه ديه الي إنت فيها؟ تذكرت كلمة أبيها كل واحد منكم مملكة مستقلة، يقولها أحيانا بغضب وأحيانا بسعادة حسب الموقف. أخبرت سكرتيرتها أنها ستغادر اليوم ساعة مبكرا وذهبت. ذهبت إلى منزل أبيها، سلمت وسألت عن أخيها، لم يعد بعد، كلمته، قال: لسه على زفت الطين كوبري أكتوبر، لم يكن بدا من الانتظار وهي قلقة من ـتأخره فعلاقتها بالكوبري وثيقة جدا بعد مشوار صباحي ومسائي عليه في طريق العودة والذهاب من العمل يوميا، وتعلم تماما ما تعنيه الزنقة على كوبري أكتوبر، وخاصة أيام المليونيات الجديدة التي أصبحت تحدث في وسط الأسبوع بعدما كانت مركزة على أيام الجمعة فقط، ربنا يستر. دقائق وجاء مهرولا، سلم وهو يركض، أخذ الحقيبة وقفز مقبلا أباه وزوجته، وجرها من يدها وهو يقول: يلا اتأخرت جدا. قفز إلى عجلة القيادة وهو يقول: أنا هسوق، ابتسمت وقالت: طبعا وهي دي فيها كلام. وهما في الطريق إلى المطار حدثهم أبوهم في الهاتف وقال عبر السماعة المفتوحة: طمنيني على أخوك لما يوصل المطار ويركب الطيارة. أغلقت الخط فإذا بأخيها الجالس إلى جوارها يجهش بالبكاء، مالك فيه إيه؟ تمتم بعبارات كثيرة خرجت منها بجملة مفادها صعبان علي أوي أسيبه وهو في السن دي...أنا رجعت مخصوص عشانه، كل شوية بينزل مظاهرات ومسيرات في السن ده حبيت أكون جنبه كام يوم ، ردت بكلام لا تذكره... كله تهريج في تهريج. وصلوا المطار... وسافر. ثقل قلبها ثقلا شديدا وهي تذكر أيامه في البحث عن عمل في القاهرة، تخرج بتقدير جيد جدا تراكمي من طب أسنان، باتصالاته عبر الإنترنت تلقى تدريبا صيفيا لمدة 3 سنوات متصلة في إنجلترا إبان إجازاته الصيفية في مدينة شيفلد الإنجليزية الشهيرة، وبعد التخرج تدرب بمصر في عيادات عدة لأساتذته، كان أكبر مبلغا يأخذه شهريا هو مائة جنيه وعادة ما كان يصرفها على مواد يحتاجها العمل. بعد تدريب طويل شرع في البحث عن عمل، شاهدت خيباته الواحدة بعد الأخرى، مرة يذهب لمستشفى شهير ويقول له الطبيب المختص نريدك بدوام كامل والمرتب 300 جنيه في الشهر، وعندما يناقش المرتب يكون الرد أن هناك كثيرين يريدون هذا العمل. فيخرج بغير عودة، وتطلبه أستاذته للعمل معها في العيادة دواما كاملا، تتفق معه على نسبة من الربح في البداية، ثم في أول يوم عمل تقول له، لا نسبة ربح... مرتب ثابت 300 جنيه في الشهر، فيخرج ولا يعود. وعندما تقول له: طب ماشي خذ المرتب، ده كويس، أنا أول مرتب أخذته كان 150 جنيها بس الكلام ده كان سنة 1991، ينظر إليها وينفجر ضاحكا، تحول الحديث إلى مقالة سابقة لإبراهيم عيسى في جريدة الدستور تحدث فيها عن أجور العاملات في مصر، والأرقام المذهلة التي لم ينبر مسؤول واحد لنفيها أو لتفسيرها، تفني العاملة عمرها في العمل في المصانع ليكون أجرها في النهاية 160 جنيها في الشهر، هذا إذ لم تخضع لخصومات لأي سبب كان. عندما انفصل عن صديقة له كان ينوي الزواج بها، أخبر أخته أنهم عالم مجانين، عايزين شبكة بخمسين ألف ومهر وقصص كبيرة، أضاف متسائلا مش أمك برضه إجوزت أبوك بربع جنيه وعمك اللي جاب الشبكة على حسابه حتى من غير ما يقولهم؟ لما هي عايزه كل ده كانت بتحبني وتمشي معايا ليه؟... كفاح بقى وقصص مش عايزه، ده أنا بقولها لحد الزمالة ما تيجي، يعني سنة أو أقل، أحط رجلي على السكة بس، يلا ربنا يسعدها، لم تسعفها الكلمات، لقد تزوج أهلهم فعلا ككل أبناء جيلهم في ظروف مادية أقل ما يقال عنها أنها ليست باليسيرة، ولو كانت هي مكانهم ما اتخذت مثل هذا القرار، ولكن كان هناك شيء في أجواء الستينات اسمه الأمل. تطلبه طبيبة أسنان يعمل زوجها أستاذا بالجامعة، سمعت عنه وأرادته لإدارة عيادتها حيث سيسافر زوجها إلى الخليج ولن تتمكن من مواصلة العمل لتعتني بالأولاد في غياب الزوج، تتفق معه على نسبة من الربح، وعندما يمر أول شهر ويأتي الربح كبيرا، تتراجع وتقول لأ مرتب ثابت، يغادر بغير رجعة، كلمتها مش واحدة، بالعربي كذابة، هذه كانت كلماته عندما أتى للغداء في منزل أخته بعد مغادرته عيادتها. كان أبوهما صامتا ...يراقب، لم يكن أخوها ليقبل أن يساعده أبوه في البحث عن عمل، أليس هو من يرفض الزواج علشان: مش همد إيدي لأبويا آخذ منه شبكة ومهر...كفاية اللي عمله علشانا، ولكن شاب صمت الأب حزنا لم يكن باستطاعته أن يخفيه، عندما اتصل بأخيها أستاذ تدرب معه في إنجلترا ليعرض عليه عملا هناك لمدة ثلاثة أشهر بديلا لطبيب غادر في عجالة، قال أبي في هدوء لأخي" وفي السماء رزقكم وما توعدون". سافر، وطالت الأشهر الثلاث، كان أصغر من أخذ الزمالة وأصغر من نجح في المعادلة الإنجليزية لشهادته، لم تكن جنسيته المصرية لتمكنه من العمل في ظل قوانين العمل التي تبناها الاتحاد الأوروبي، إلى أن تقدم لوظيفة لم يتقدم لها لا إنجليزي، ولا أحد مواطني الاتحاد الأوروبي، فكانت من نصيبه هو، اتصل بأبيها بعد امتحان الوظيفة وهو يقول له: مش هتيجي؟ فرد أبي: "إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون". وقد كان، حصل على الوظيفة بعقد لمدة عام، أما أستاذه الذي استقدمه فقد توفاه الله بعد ذهاب أخيها بشهر واحد، حضر أخوها الجنازة التي كانت تتضمن طقوس حرق الجثة كما أوصى الرجل. اتزنقت في العودة على كوبري أكتوبر... هو أصغرهم هم الخمسة، كانوا إذا اختلفوا تنحى بنفسه جانبا ليدفعهم جميعا لإخراجه من عزلته مما يحدوهم إلى الكلام معا ونسيان الخلاف، وكان دائما ما ينجح في ذلك. تذكر عندما توفيت والدتهم وهو بعد في الصف الأول الإعدادي، وعاد إلى المنزل ليجدها فيه وقد كانت تلازم أمهم في المستشفى، قال متسائلا: إيه اللي جابك؟ ونظر إليها نظرته التي لم تغيرها السنون، فقالت له وهي تشيح بوجهها: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، دخل الحمام، ولم تره يبكي بعدها، رباه، كم كان صغيرا. عندما سافر أول مرة كتبت له في بطاقة صغيرة: لن أقول لك لا تذهب ولكن أقول عد...عد يوما لهذه البلد...لابد لهذا الليل من آخر . وهو ما كتبته من قبل لأخيه الأكبر الذي سبقه في الرحيل لأمريكا للحصول على درجة الدكتوراه في الصيدلة. تعلم علم اليقين أنه لن يعود، لا هو ولا أخوه الأكبر ولا كل من ذهب، عندما حدثت أزمة المخطوفين المصريين في سورية ، خرج علينا أحد المتحدثين باسم الخارجية المصرية بنظرية جديدة مفادها أن الشباب يريد أن يهاجر كونه منبهرا بنمط الحياة الغربية، فلما قاطعه المذيع قائلا: حضرتك دول بيتكلموا عن 300 جنيه. قال السفير الهمام: لو عالتلتامئة جنيه يلقوها في مصر، آه من طبقة الأوبسون والسيرما التي لا تعرف من أمر هذا البلد شيئا سوى نادي التريبل سي. فتحت باب الشقة بالمفتاح، جرى عليها ابنها الصغير حملته واغرورقت عيناها بالدموع وهي تتخيله يحمل متاعه ويرحل بعيدا إما في طلب للعلم أو الرزق. حدثت نفسها أنه لابد من تغيير العبارة التي تكتبها للمسافرين في نهاية كل خطاب بدلا من عد، قد تكتب لولدها إذا ما حانت اللحظة "عش آمنا" ولكن عندها يقينا لن يعود لمصر، بينما مازالت تحمله، تذكرت عبارة أخيها الأخيرة وهو على باب المطار بينما يضمها بقوة: ما تقلقيش...تذكرتي رايح جاي... استدارت وأغلقت الباب. (11) رأيك إيه أغلقت السماعة بعد محادثة طويلة مع سلفتها السابقة وهي متعجبة لقد قررت سلفتها ترك عملها في الخليج وأخذت إجازة مفتوحة من يوم 26 بعد ما تناقلت وسائل الأنباء ما حدث في مصر يوم 25، لقد شعرت بفطرة سليمة أن هناك تغييرا ما قادما، تعجبت عايدة أن زوجها السابق، من توقعت منه أن يفعل هذا لم يفعله، بل وعرفت خلال المكالمة التي لم ترغب خلالها صراحة بالسؤال عنه، سيكون في طريقه يوم 27 إلى الصين لإتمام صفقة ماكينات لمصنعه هو وشريكه الخليجي، الله... أين ذهبت إذا الوطنية والاشتراكية وجيل "السبعيناتية" من خوتونا وطنية وشعارات؟! دخلت عليها ابنتها، وفي يدها اللاب توب قائلة: ماما إلحقي ده العيال هينزلوا في مظاهرة الجمعة يوم 28...محمد مش عايزني أنزل بيقول لأ المواضيع ديه مش للستات...رأيك إيه؟ نظرت وهي مفروسة، نفسها تقول: محمد على اللي جابوه، ما فضلش غير ابن امبارح يتحكم في بنتي. ابتسمت وقالت بهدوء: اللي إنت عايزاه يا لولو. ردت ابنتها: لأ بجد يا ماما رأيك إيه؟ بصي أنا ما عرفش هنعمل إيه أنا أعرف أنا هعمل إيه، أنا رايحة لطنط فاطمة هي ساكنة في جامعة الدول، هستنى صلاة الجمعة عندها وبعدين أنا نازلة نازلة، فاطمة نزلت يوم 25 وأنا مدايقة إنه فاتني، فمش ناوية أفوت الجمعة ديه أبدا، إنت هتعملي إيه؟... ما اقدرش أنصحك الأمر متروك لك...وبصراحة مش لمحمد. قصدك إيه؟ بجد؟ ما قصديش، لولو إنت عندك 24 سنة متهيقلي تقدري تقرري من نفسك إنت هتعملي إيه يوم الجمعة والأهم من هتعملي إيه إنت عايزة إيه، سيبيني أنام عشان بكره عندي شغل كتير ولازم أصحى بدري. قامت من جلستها في غرفة الجلوس، توجهت لباب الشقة، أحكمت غلقه، توجهت إلى المطبخ اطمأنت أن كل شيء في مكانه، لملمت بعض بقايا الطعام وأدخلتها الثلاجة، صبت لنفسها كوب ماء نصف بارد، أخذت حبات الدواء من رف الأدوية أغلقت النور وتوجهت لغرفة النوم، وضعت الكوب وحبة الدواء على الكمود بجوار الفراش، خلعت عنها الروب ترددت بين أن تضعه على الكرسي أو على الشماعة البعيدة بضع خطوات، ألقته على الكرسي وجلست على الفراش استعدادا للنوم، قامت لتأخذ الروب وتعلقه على الشماعة، عادت مبتسمة وهي تفكر في أمها التي كانت لتفعل نفس الشيء، جلست على الفراش تناولت حباية الدواء برشفة ماء، أبعدت كوب الماء لركن الكمود، مدت يدها أطفأت نور الغرفة من الزر المجاور للفراش. أضاءت نور الأباجورة الصغيرة وتناولت كتابها الذي تقرأه هذه الأيام، يوم قتل الزعيم، لإبراهيم عيسى، أعطته فاطمة لها وهي تسألها عن قصة تعذيب فيه متسائلة أنتم الجماعة الاشتراكيين والشيوعيين تعرفوا القصة ديه حقيقي ولا لأ، قالت عايدة: قصة إيه؟ قصة الزعيم الشيوعي الذي عذبوه أمام حفيده. فين ديه ؟ في هذه القصة. طب هاتيها أقرأها وبعدين أقولك...ومش عايزة أعرف عنها حاجة ما تحرقيهاش...بس آخر حاجة والنبي ما تقوليش الجماعة الاشتراكيين والشيوعيين لأن دول غير دول، قالت لها فاطمة وهي تضحك: عارفة ما تكمليش ...يعني زي الجماعات والإخوان مش كلهم حاجة واحدة، فهمت والله يا عايدة وحقك علي، أخذت منها عايدة القصة بعد هذا الحوار ، أعجبتها للدرجة التي قررت الذهاب بتاكسي اليومين دول للعمل لتستطيع إكمالها في أقرب وقت ممكن ولم يتبق فيها سوى صفحات قليلة. فتحتها حيث وضعت علامة عند الصفحة التي توقفت عندها عصر اليوم وهي في التاكسي، أخذت تقرأ حتى وصلت للجزء الذي سألتها فاطمة عنه، الزعيم الشيوعي الذي عذبته الشرطة أمام حفيده وطلب إليه الاعتداء على حفيده أمام الضباط، أغلت القصة بعنف وهي تغلق عينيها بقوة، إلا ده إلا ده، لن تقدر أن تكمل القصة، لا يلعن كده يا فاطمة تقدري تقري الكلام ده إزاي؟ لن أكمل لن أكمل القصة أعرف النهاية من فاطمة غدا، لكن تعذيب وسجون ومعتقلات لأ لا يمكن، تذكرت أباها وترحمت عليه وهي تذكر ما حكاه عن اعتقال الشيوعيين أيام عبد الناصر، الذي رغم ما فعله بهم عاشوا عمرهم يهتفون باسمه ويبررون له أخطاءه حتى وفاته وهي تجادله في عبد الناصر ويحمر وجهه ويرفض كل نقد له، ويقول لها: له أخطاء نعم...ولكنه زعيم عظيم، لم تفهم أبدا كيف يكون زعيما عظيما وهو من وضع السادات على رقاب العباد، وهو من فتح المعتقلات على آخرها، وهو من جر الجيش والبلاد لهزيمة نكراء مرة تلو الأخرى، فقصم ظهر البلد وروحها ولم تستردها حتى اليوم، رحمة الله عليهم جميعا، وضعت القصة على الكمود، سحبت البطانية عليها ونامت وهي تتمتم بعض الأدعية التي علمتها أمها إياها، ما قال أبوها عنها تعاويذ وهو يضحك من أمها، بينما تغمض عينيها مدت يدها تتحسس أين زر الأباجورة، وجدته، ضغطت عليه مغلقة نورها. (12) كلام عيال قال ابن الثالثة: ماما أيوه يا حبيبي. ماما إنت لك ماما؟ أيوه يا حبيبي. طب هي فين؟ ماتت يا حبيبي. أيوه يعني فين؟ عند ربنا. ليه؟ ربنا كان عايز كده. ليه؟ ربنا لما بيحب حد بيكلمه و بيندهه عنده. طب أنا عايز أكلم ربنا. ربنا فوق في السما تقدر تدعيله وهو يسمعك وتبقى كده كلمته. لأعايز أكلمه على الموبايل. ما ينفعش...ما حدش يقدر يكلم ربنا إلا بالدعاء. بس أنا عايز أقوله حاجة. إيه؟ سر. طيب قولي وأنا مش هقول لحد. مش عايز بابا يبقى شهيد. مش فاهمة. هو بينزل رابعة وهما قتلوا الناس هناك كتير مش عايزه يموت، يستنى لما أكبر وبعدين يبقى شهيد. قال ابن الخامسة أنا إنجليزي صحيح؟ نعم. فإزاي أنت خالتي وأنت مصرية. لأني أعيش هناك وأنت هنا ولأن أمك مصرية. يعني أنا مش مصري؟ لأ مصري وإنجليزي في نفس الوقت. بس أنا مش عايز أبقى مصري. ليه يا حبيبي؟ علشان بيشتموا لعيبة الكرة المصريين في النوادي الإنجليزية بيقوللهم الإرهابي القذر. طب واحنا مالنا. أنا عايز ألعب لما أكبر في مانشستر يونيتد... فاهماني؟ قال ابن الرابعة ماما أيوه إنت زعلانه مني؟ أيوه علشان عملت حاجة غلط... ضربت أختك. أنا آسف أنا ما كنتش عارف إن دي حاجة غلط. ماكنتش تعرف إن الضرب غلط؟ ما إنت بتضربيني...يبقى ده غلط؟ لأ أنا بربيك. وده كان قصدي... كانت عمالة تزن عشان إنتم نزلتم التحرير... فكنت بربيها. طب خلاص. بحبك يا ماما...ما تزعليش. وأنا كمان...بس ما تضربش أختك تاني. وإنت مش هتترضبيني تاني. طيب مش هضربك. أنا هفكرك لو جيتي تضربيني...اتفقنا؟ اتفقنا. احنا بس كنا مضايقين. ليه؟ عشان سبتونا عند عمو أحمد ورحتم المظاهرة، ما تسيبوناش لوحدنا تاني...لما نكبر ابقوا روحوا المظاهرة...أنا هقولها تستناكم. قالت ابنة السابعة ماما...إنت بتعيطي؟ لأ حاجة دخلت في عيني. لأ إنت بتعيطي وأنا عارفة ليه ليه؟ عالشان بابا رد عليكي بغلاسة . لأ يا نونة قلبي ده بابا سيد الناس. لأ ياماما أنا مش صغيرة بس هقولك حاجة كل الصبيان غلسين أوي...ده أنا عمرو في الفصل مطلع عيني،بس ما بسبهوش بانزل فيه ضرب، ما بعيطش أبدا، ماتعيطيش يا ماما، لو هو مش عايزك تنزلي معاه التحرير انزلي من وراه...بسيطة. قال ابن الثالثة ماما كنت بدور عليكي في كل حتة ومش لاقيكي. أنا مش قلتلك إني وبابا نزلين التحرير. أيوه بس يوم ويوم ويوم، كتير أوي جدا خالص، مش هتخلص الثورة ديه. لسه شوية يا حبيبي. قال ابن الثامنة ماما مش إنت كل قرايبك اللي ماتوا ماتوا بالسرطان؟ أيوه يا حبيبي. يعني إنت طالما جالك يبقى هتموتي؟ لا إن شاء الله لا يا حبيبي...الأدوية إتغيرت وكل حاجة دلوقتي بقت مختلفة. ماشي ماشي ..بس مامة محمد لسه ميتة في رابعة. مين محمد؟ زميلي في المدرسة...ما تعتبرش ماتت قصدي استشهدت. وماقلتليش ليه؟ كنت مستني أخلص تفكير في الموضوع. طيب وهو عامل ايه؟ ساكت...زعلان. ياعيني يا حبيبي طيب يا ماما فرضا مثلا إنك موتي هتقبلي نينة اسمهان؟ أيوه يا حبيبي إن شاء الله. ممكن تحضنيها وتسلمي عليها وتقوليلها إني كان نفسي أشوفها..ممكن تستناني هناك وما تموتش تاني لحد ماأطلع لها؟ (13) هناء على الكرسي العجل تجلس مع ولديها محتاسة ولا تدري كيف تخرج... طلبت بعض السيدات اللائي كن معها في الخيمة اصطحابها فصك ضابط الشرطة إحداهن على وجهها فالتزم البقية الصمت وخرجن مقبوضا عليهن وتركها الضابط وولديها ابن السنتين وابنة الأربعة سنوات في الخيمة بلا أي توضيح... وحدهم لا يدرون ما يفعل بهم... احتضنت ولديها وهي على كرسيها المتحرك وابنتها تقول: أزق الكرسي أنا يا ماما؟ لا يا رفيدة أنا هزقه تعالي على حجري مع نضال وهحاول أزقه بإيديا زي ما بعمل في البيت... قفزت رفيدة على حجر أمها، حاولت هناء دفع الكرسي... الكرسي ثقيل بهم هم الثلاثة، وصلت إلى باب الخيمة تزداد الضجة وأصوات الهرج والمرج...تخرج ترى الناس يتساقطون حولها تدخل على عجل إلى الخيمة مرة أخرى. تبدأ تبكي بشدة، تشعر بيد ابنتها تربت على كتفها وهي تقول نحاول تاني يا ماما...معلش يا ماما ما تعيطيش هنعرف نخرج. تضمها هناء بقوة وهي تقول أيوه يا حبيبتي تاني نحاول تاني. وهي تدفع الكرسي يصطدم بشئ ما على الأرض يقعوا جميعا على الأرض تضع يديها على رأس ولديها كي لا تصطدم بالأرض، يصرخ الصغير ويبكي بكاء متواصلا، تضع الصغيرة يديها على عينيها وتبكي بصمت وهم جميعا على الأرض، هناء مكفية على وجهها وهما بجوارها بينما نصف جسد ولدها تحتها. حاولت أن تعتدل بجسدها، تمكنت من الجلوس، سحبت ولدها من برباتوزه اللبني اللون الذي اختارته مع أبيه وهما يتبضعان للمولود الجديد قبيل استشهاده في موقعة الجمل بالتحرير ...المولود الذي جاء إلى الدنيا بعد استشهاد أبيه. سحبت ولدها حتى تمكنت من وضعه على حجرها، نادت رفيدة بصوت واهن تعالي يا بنتي تعالي، تدفع رفيدة برأسها في حضن أمها تلف ذراعيها الصغيرين حولها. يرتفع صوت في الميكروفونات يدعو الجميع للمغادرة، يستمر النداء بصيغ مختلفة. تتجاهل هناء كل هذا، ترفع وجه رفيدة لتنظر في عينيها: رفيدة... إنت عارفة إني بحبك صح؟ أيوه يا ماما. وعارفة إننا هنتقابل كلنا في الجنة؟ ليه بتتكلمي في الموضوع ده دلوقت؟ ردي علي بس. أيوه عارفة يا أمي. طيب أنا هطلب منك حاجة. قولي يا ماما. فاكرة سيدنا إبراهيم لما طلب من ابنه مش سمع كلامه؟ أيوه يا ماما سيدنا إسماعيل. طيب أنا هطلب منك طلب كبير زي ده. إيه يا أمي؟ عايزاكي تجري، تطلعي تجري...تجري تجري وما تقفيش... وإنتم يا أمي أسيبكم إزاي؟ ما تخافيش أنا هفضل معاك حتى وإنت بتجري هكون معاك. طب يا أمي أنا ممكن آخد نضال؟ إزاي يا حبيبتي ده إنت مش بتعرفي تشيليه. هجره يا ماما هجره على الأرض. لا يا حبيبتي مش هينفع نضال هيروح معايا في حته تانية. طب خودوني معاكم. اسمعي كلامي يا رفيدة، ريحي أمك زي سيدنا إسماعيل ما سمع كلام أبوه. حاضر يا أمي. حتضنتها أمها بقوة...وقالت لها: دلوقت دلوقت يا رفيدة. أمي طب مين هياخد باله مني؟ ربنا يا رورو ربنا زي ما خلى باله من سيدنا موسي يا رورو فاكرة القصة؟ أيوه يا أمي فاكراها. قبل ما تمشي عايزاك تقوليلي اسمك. رفيدة. لا اسمك الكامل. رفيدة محمود النجار. طيب وساكنة فين..بيت تيته فين؟ المهندسين ٢٢ محيي الدين أبو العز. طيب لما تقابلي أي حد تقوليله الحكاية ديه فاهمة...فاهمة إوعك تنسي. بدأت رفيدة تبكي ضمتها هناء وهي تقول عايزاك تكوني قوية زي ستنا مريم يا حبيبتي. حاضر يا أمي. نظرت في عينيها خليكي فاكرة إن أمك بتحبك جدا. اجري دلوقت اجري علطول ما ترجعيش وما تبصيش وراك. حاضر...بدأت تركض وتركض وتركض والدموع لا تتوقف من عيون هناء بينما تصرخ في ابنتها اجري اجري...حتى غابت رفيدة عن عيونها تماما، دفنت هناء ولدها في صدرها...وأخذت تقول لا إله إلا الله لا إله إلا الله... بينما تقترب منها سخونية مدافع اللهب يرتفع صوتها بلا إله إلا الله لا إله إلا الله... عندما وجدوا هناء بعد ذلك كانت تضم ولدها وقد تفحم كلاهما تماما من جراء حرق الخيمة، ولم يستطع أحد فصل جسديهما كانت قد صنعت من جسدها شرنقة لجسد ولدها. بينما خطت مدام نادية خطواتها الأخيرة على السلم وهى تضع أناملها على شعرها لتسوي بعض خصلاته ، في عمارتهم الكائنة بشارع الشباب خلف مسجد رابعة العدوية لمحت قطعة فستان دانتيل تحت السلم، توجهت إليها وهي تتمتم: الزفت البواب مخبي فوط التنظيف ورا السلم...ناس زبالة عمرها ما هتنظف، انحنت لتلتقطها بأناملها، فوجئت بفتاة صغيرة تضم ركبتيها بيديها إلى صدرها وهي ترتعد وعيونها مفتوحة مفزوغة، اقتربت منها نادية بهدوء، وهي تقول: ما تخافيش ما تخافيش، لم تكن في حاجة أن يقول لها أي شخص من أين أتت الفتاة، فآثار الرماد الأسود واضحة عليها، رفعت مدام نادية الفتاة الصغيرة إلى صدرها، ضمتها بقوة وصعدت بها السلم في هدوء. (14) الأخ حسام تعالت الزغاريد على المنصة مع إعلان عقد قرانهما، احتضنتها أمها والدموع تفر فرارا من عينيها تمنت لها فرحاً في قاعة من قاعات القوات المسلحة ولم تتوقع أبدا أن تزفها فوق منصة في ميدان لرجل التقته ابنتها عندما تلقى عنها طوبة شجت رأسه يوم موقعة الجمل في ميدان آخر، ومع هذا كانت سعيدة لأنها أودعتها أمانة لدى هذا الرجل الذي يبدو كمقاتلي الشيشان لذقنه السوداء الكثيفة ووجهه الأبيض. التقت أعين العروسين في سعادة أمسك العريس بيد عروسه، حاولت سحبها خجلا فمال عليها هامسا في تأكيد: حلالي...فاهمة حلالي...إياكي تسحبي ايدك إياكي، استسلمت يدها في سعادة وهي مستمتعة بكل ما في اللحظة من مشاعر فياضة. سكنا مع أمها في شقة الأسرة التي خلت بزواج أخيها بسنوات قبلها ومغادرتها للعمل في قطر، تقع الشقة في مساكن طيبة مول دوبلكس، سعدت أن زوجها لم يصر أن يسكنا شقته في الدقي، حيث بيت أسرته وكل إخوانه وأخواته يسكنون نفس العمارة، لقد جاء السكن مع أمها على هواه حيث خيم في رابعة مع المقيمين وكانت هي بين إحدى خيام الأخوات وبين بيت أمها. كان اللقاء الأول عندما صرخ فيها وصديقتها رجل لا يعرفانه في التحرير: وطوا وطوا...، وقبل أن يدركا ما يحدث وجدته فوقهما وقد تلقى عنهما إحدى طوب البلطجية فتحت رأسه وأغشي عليه، نقلته مع الناس إلى المستشفى الميداني في التحرير. التقته أكثر من مرة بعد ذلك في محمد محمود حيث كانا من قلة تنتمي للتيار الإسلامي رفضت ترك العيال اللي بتموت لوحدها حتى لو فيه خارطة طريق، ولكن مش هنسيب اللي وقفنا معاهم كتف بكتف في التحرير. هكذا قالت لمسؤولتها في التنظيم عندما طالبتها على الهاتف بترك الميدان فورا لتأمين الانتخابات، سمعت صوتا يجاوبها: جدعة يا أخت، نظرت له وابتسمت قائلة: إنت لسه عايش إنت اختفيت بعد ما شفتك في أمن الدولة في مدينه نصر، رد قائلا :لا ديه قصة طويلة أنا كنت هناك بس بزور مكان عشت فيه سنة، فهمت ولم تسأل المزيد من الأسئلة، وجدته بجوارها في كل الأماكن في محمد محمود وهم صف ينقلون الجرحى من يد ليد، وهم صف تاني ينقلون الطوب لبعضهم البعض وصولا للصفوف الأمامية. توطدت علاقتهما، وكان كأنما يتواجد معها لحمايتها حيثما وجد الاحتكاك والصدام. أجبرها على مغادرة اعتصام مجلس الوزراء قائلا: والله يا آلاء فيه حاجة غلط فيه حاجة غلط...الله يخرب عقل إخوانا ويسامحهم واثقين في ضابط بدبورة تاني تاني...فيه حاجة غلط أنا شايف ضباط جيش بتضرب وبكلم إخوانا يقولولي اندساس، غادرت رغم عدم اقتناعها التام. هي إخوان وهو حازمون ويقدس الشيخ حازم، لكن كلامه وافق شكا في نفسها لقد قرأت حقبة الهضيبي جيدا ورأت كيف وثق الخمسة - ممن كانوا يسمون بطانة المرشد- بعبد الناصر وأدخلوه بيوتهم أكل معهم عيشا وملحا وبعد ذلك باع حتى أقربهم إليه حسن العشماوي، وها هم شيوخها بل والمستقلون من الإسلاميين يثقون بهم، بنفس من باعوهم قبلا، غادرت فعلا ولم تسمع عن حسام لمدة طويلة بعد ذلك. في رابعة، بينما توزع الطعام ناولت أحدهم العلبة فإذا به يقول: علله ما تكونش مسمومة زي أكل مجلس الوزراء. حسام إنت فين؟ اختفيت تماما. يعني إنت سألت، أطرقت برأسها وهي تقول: ليك حق بس إنت عارف الدنيا كانت عاملة إزاي، رفعت رأسها وزادت وبالنسبة للأكل اطمن أمي اللي طابخه، ضحك ولوح شاكرا بينما يغادر، بعدها بيومين وهي تشرف على منطقة الأطفال وجدته بجوارها وهو يقول: إنت مش تتجوزيني بقى بدل شحطتي وراك ديه؟ يا أخ حسام إنت ليه مش بتبدأ الكلام بالسلام عليكم، ليه بتدخل في الموضوع على طول كده؟، ضحك وقال: يا أخت آلاء بعد السلام عليكم هل أطمع أن تشرفينا وتتزوجيني؟ طيب هفكر. طبعا مشكلة خصوصا إن الأخوات عندك ما بيحبوناش إحنا الحازمون. ضحكت وهي تقول: هو إحنا هنبدأ الخلاف السياسي من دلوقت، ضحكا وقال حسام: آلاء بجد هتردي إمتي؟ طيب لما يخلص اللي إحنا فيه ده، رد بجدية: ده مش هيخلص يا آلاء...إحنا قدامنا ستين سنة كمان...ديه أربعة وخمسين، رفعت عينيها إليه وأطالت النظر في عينيه وسألت: بجد؟ أيوه إحنا لازم نعيش مع ده مش هنوقف حياتنا لحد ما يخلص لأنه ممكن يخلص في عهد أحفادنا، وبعدين ييجي شوية أذكياء يودروهم زي ما احنا اتودرنا وزي جدودنا ما اتودروا...احنا تيار فاشل سياسيا يا بنتي يضحك علينا أي واحد بزبيبة. حسام... ما تقوليش حاجة، أنا بقول نتجوز على المنصة... بجد؟ أيوه بجد آجي أكلم أبوك إمتى؟ أنا أبويا ميت و عمامي في البلد ففي الغالب هتكلم أخويا وأمي. يعني أفهم من كده إنك موافقة... الله أكبر مرسي رئيسي مرسي رئيسي الله أكبر اسكت يا حسام، ضحك قائلا: إنت هتديني أوامر من دلوقت؟ إلا مش ملاحظة إنت ما قلتيش يا أخ حسام يا أخت آلاء. مر ما بين هذا الحديث وعقد قرانهما على المنصة كلمح البصر، لسبب ما أصر حسام على عقد قرانهما قبل العيد رغم استنكار أمها لفكرة الزواج في رمضان، إلا أنه أصر قائلا لآلاء : لو فض هيفض بعد العيد علطول والله أعلم هكون فين ساعتها، أمسكت بتلابيبه وهي تقول: لا هو إنت ناوي تتجوزني وتسيبني وتمشي، مش هيحصل، أمسك بكفيها الممسكة بتي شيرته سحبتهما سريعا وهو يضحك ويقول: هدي أخلاقك يا أخت آلاء مش كده، وكان له ما أراد وتزوجا في ليلة من ليالي رمضان. في العيد قررا مغادرة الميدان وقضاءه في المنزل، عكس أمها التي قررت قضاء العيد مع الأخوات في الميدان، كانا يقضيان النهار في المنزل، وعلى الظهيرة يمران بالميدان يتفرقان ويلتقيان بعد عدة ساعات ليعودا مرة أخرى للمنزل. استيقظت على يد حسام وهي تهزها بقوة فتحت عينيها لتراه يرتدي تي شيرت سريعا بينما يرفع البنطال الجينز: آلاء بيفضوا بيفضوا إلحقي أمك أنا نازل لا إله إلا الله، أمسك برأسها أخذ يقبل كل جزء في رأسها ووجهها وهي غير مدركة لما يحدث لا إله إلا الله، انزلي فورا هاتي أمك وما تسيبوش البيت، في لحظة كان قد اختفى من أمامها بينما يتصاعد الدخان على شاشة قناة الجزيرة. نزلت من البيت وجدت القوات الجيش والشرطة يسدان الطريق قررت اللف من الشارع الواقع خلف طيبا مول عادة ينساه الأمن، وقد كان، اخترقت جراج طيبا مول الممتد من أمام المول إلى خلفه، لم تجد فعلا قوات أمن هناك، ولكنها وجدتهم بعد دار الشروق بقليل في حالة ارتباك بيّن، شقت طريقها بسرعة إلى شارع الطيران ومن هنا إلى المستشفى الميداني، الدعوات على المنصة أصبحت أكثر وضوحا كلما اقتربت، تدعو للصمود وتتحدث عن أجر الشهداء، همست لنفسها يا رب حسام يا رب... آلاء... آلاء ماما في المستشفى الميداني إحنا بنقول كل الستات تطلع والرجالة تصمد، خديها وأي أخوات هناك واخرجوا هما بيخرجوا الستات بيقبضوا على الرجالة، احتضنتها وهي تقول: شكرا يا أسماء شكرا . أنا واخده الأطفال دول عندي لحد ما نعرف أهلهم حصلهم إيه كانوا بين الخيم المحروقة، طيب ربنا معاك ربنا معانا كلنا. رفضت أمها مغادرة المستشفى الميداني إلا بعد ما اقتحمه قوات الأمن وأخرجت الأطباء ومن يستطيع أن يسير، خرجت وابنتها غادرتا إلى المنزل. كانت رنات الهاتف متواصلة عند وصولهما هرعت آلاء إلى الهاتف وهي تصرخ: حسام حسام لا يا آلاء أنا خالد.. أمي بخير.. حسام فين؟ نزل الصبح ومنعرفش عنه حاجة والموبيلات مقطوعة هنا مش عارفة أوصله. ولاد الكلب الصور همجية.. إيه ده.. ديه إبادة. ادعيلنا يا خالد. يا ريتني معاكم. خليك إنت في ولادك ومراتك. أمي إزيها؟ خد ماما معاك. لم تسمع عن حسام، توالت صور الشهداء والمعتقلين ولم تجد بينها لا اسمه ولا صورته، أهله يبحثون في كل مكان لا أثر له فص ملح وداب، هاتفه مغلق بصورة مستمرة، تبكي وتبكي وكان بحر الدموع لا يجف، الحزن متصل من قلبها لعيونها بنهر لا ينتهي مدده. استيقظت صباح يوم العيد الكبير للصلاة غير مستشعرة أية فرحة للعيد، أخذت أمها، رابعة مغلق كما هو متوقع توجها لمسجد الإيمان في مدينة نصر، الشوارع كلها مغلقة ومحاصرة ومع ذلك نجحت جموع المصلين من الوصول إلى مسجد الإيمان، أقيمت الصلاة وبدأت الخطبة وسمعت وراءها صوتا يقول: ما تتلفتيش اسمعي وإنت ساكتة، وحشتيني أوي، الوحيدة في الدنيا اللي وحشتني، أنا مش هرجع يا آلاء لا يمكن هرجع، بيتي دلوقت الشارع أنا كنت في كل مكان مع العيال العيال يفرحوا عايزين يموتوا عايزين يقابلوا ربنا، أنا جلدي لزق في الأرض من التعذيب في مبني مدينة نصر ولما قوموني اتشد لزق في الأرض لما شوفتيني هناك كنت رايح أشوف الجزء من جسمي اللي سيبته على الأرض، مش هيحطوا إيدهم علي إلا جثة، بين بكائها قالت: هعرف أخبارك ازاي؟ أنا هعرف أوصلك زي ما وصلتلك قبل كده، عماد أخويا هيديكي إيجار شقتي كل شهر ديه فلوسك اتصرفي فيها زي ما إنت عايزة. حسام خليهالك أمي بتاخد معاش أبويا هيكفينا. لا مش هيكفي أنا عارف مش هيكفي. ممكن أتلفت و أبصلك بس؟ عايزة أشوفك عدي لخمسة وبصي..... استدارت وجدته ينظر إليها من الصفوف الأخيرة نظرته القوية الثابتة، رأسه الأصلع الكبير وعيناه الغائرتان وذقنه الضخم، ابتسم قبل أن يختفي تماما...، وضعت يدها على فمها وهي تقول آه يا حبيبي، احتضنتها أمها التي كانت بجوارها تسمع كل الحوار، وانخرطت الاثنتان في بكاء صامت. بعد يومين وجدت رسالة على المحمول ليس من رقم هاتف وإنما من النت: ده حسابي الجديد خلينا نتواصل عليه، بحبك جدا، هعمل حساب على سكايب عشان نقدر نتكلم برضه عليه، هبعتهولك قريب، خديجة سيدة نساء أهل الجنة لو بنت وحمزة سيد الشهداء لو ولد...في أمان الله يا أغلى ما وهبني الله. (15) صهيب... صهيب...إنت متأكد يا محمد... متأكد يا حاجة... ده كان رايح مع أصحابه يلعبوا بلياردو. مش عارف والله يا حاجة بس هو عندي وعايز يشوفك. طب أكلمه. أصله بعيد والتلفون أرضي مايوصلش هنا... طيب يا ابني ...طيب يا ابني... أغلقت السماعة، بناتها في البلد مع جدهم وجدتهم، وهي لم ترغب أن تترك صهيب ولدها الوحيد وحده في القاهرة في رمضان، أمضته معه وذهبا عيدا في البلد ورجعا معا، وسابوا البنات حتى بداية العام الدراسي شبطم في أمها، وأمها شبطت فيهم... دخلت غرفتها، ارتدت الخمار فوق جلباب المنزل ونزلت من بيتها في إمبابة كادت أن تغلق الباب، ثم فتحته وتناولت حقيبتها من على الطاولة بجوار الباب، علقتها على كتفها ونزلت، ركبت الميكروباص من إمبابة لرمسيس... داخت في رمسيس على مواصلة توديها مكرم عبيد مش لاقية، واحد قال لها اركبي للعباسية ومن هناك للحي السابع، وخدي أي مواصلة لمكرم. الشوارع فاضية زي ما تكون الحرب قامت. وصلت أمام جامع الإيمان، الكثير من البشر أمام الباب، زنقت نفسها وسطهم حتى دخلت، وجدت نفسها أمام طبيب ببالطو أبيض ملطخ بدماء كثيرة، سألت.:يا ابني هو ده المستشفى الميداني اللي كان في رابعة، إنتم كلمتوني وقلتولي ابني هنا وعايز يشوفني... نظر لها بخوف وقال: أيوه يا حاجة إحنا نقلنا هنا، وكأنه يترقب السؤال التالي، حضرتك اسم ابنك إيه؟ ابني صهيب... بربش بعينيه وقال لها: ممكن الاسم كامل؟ صهيب محمود عرفة. بربش مرة أخرى، وأمسك بذراعها بحنان، و قادها بهدوء... استسلمت له وسارت وراءه. عبرا معا أجساما عديدة ممدة في قماش أبيض، تنظر لها بعجب وهي مش فاهمة، ياابني إيه المتمددين دول؟ صمت قليلا قبل أن يقول: دول شهداء يا حاجة. ميتين؟!!كل دول ميتين؟!! أيوه يا حاجة. لم يشعر بها وهي تبكي ، كل ما شعر به هو صوتها وهي تقول ليه كده بس؟ ليه كده بس؟ سألته بين دموعها هو صهيب مستنيني في آخر الجامع؟ التفت إليها، شاهد دموعها، أدار عينيه بعيدا وهو يقول: أيوه يا حاجة، حاجة زي كده. عرج على مكتب في منتصف الجامع، همس ببضع كلمات للطبيب الجالس عليه، نظر الآخر في الدفتر أمامه وهز رأسه، ثم قام معه، واتجها بها إلى نهاية الجامع. كانت تبكي تنظر على الجثث الممددة، وهي تكذب حدسها، بعضها وجهها مكشوف والبعض مغطى، وهناك في آخر الجامع، جثة صغيرة، مكشوفة الوجه ممدة الذراعين، رأت الكفوف قبل أن ترى الوجه، عرفته من كفوفه الصغيرة وأصابعه المستديرة التي أخذها عن والده رحمه الله. قبل أن تقع إلى جواره همست قائلة: صهيب... وقعت إلى جواره تقبل رأسه وكفوفه وكل حته في وجهه. يا ريتني ما رفعت راسي يا ريتني ما رفعت راسي، كان هيبوس راسي وهو نازل لما رفعتها باسني بين عنيا...يا ابني البوسة في العين تفرق، تفرق يا صهيب. وقف الطبيبان في مذلة أمام المشهد. توقف البكاء، فقط تقبله وتحتضنه. ركع أحد الأطباء إلى جوارها قائلا: ابنك بطل يا حاجة ده أنقذ أم وابنها قبل ما تجيله الرصاصة... فين الرصاصة ديه يا ابني. أشار الطبيب إلى النقطة الصغيرة بجوار رأسه..هنا... مين يا ابني؟ الداخلية يا حاجة. رد الآخر: والجيش. ردت بقوة: لا الجيش ما يعملش كده، ده أبوه كان ضابط وخدم في الجيش، الجيش ما يعملش كده. أطرق الطبيبان بينما أكملت هي تقبيل ولدها. استكانت إلى جوار جثته، وهي تمسك كفه بكفها، وتقول: سامحني يا أبو صهيب...سامحني، ما حافظتش على الأمانة،سامحني. ركع الطبيب إلى جوارها وهو يقول: يا حاجة إنت أديتي الأمانة على أحسن وجه، صهيب راح شهيد وهو بيدافع عن غيره، صهيب في الجنة دلوقت. نظرت له بعيون زائغة وهي تسأل...بجد يا ابني؟ رد بثقة: طبعا يا حاجة. سأل ما لكيش قرايب يا حاجة عشان يساعدوا في الورق نكلمهم؟ أعطته رقم عم صهيب في البلد.. انصرف وهو يقول لها: هكلمه تحبي تيجي معايا يا حاجة؟ نظرت له بقوة وإشفاق: واسيب ابني! أنا قاعده هنا لحد...لحد ما... لم يدعها تكمل، انصرف ليكلم عم الشاب. بينما هي تقبل ولدها هنا وهناك وتمسك بكفيه بين يديها، رأت ما يشبه الكتابة في باطن كفه، نظرت بدقة وجدت مكتوبا على أحد كفيه اسمه ورقم هاتفه و على كفه الآخر، كتب بخطه الصغير الجميل ...سامحيني يا أمي...عشانك يا أمي... (16) الزوجة يفتح باب الشقة بعنف، تجري الزوجة إلى الداخل، يعلو صوتها وهي تطرق جميع أبواب غرف النوم: ولاد ولاد...إحنا رايحين المستشفى، الإسعاف جايه... أبوكم تعبان، تفتح الأبواب المغلقة ، أصوات كثيرة، إيه؟ إمتى ده حصل؟ إيه الحكاية؟، لا ترد وتجري بسرعة لتصعد للدور الثاني حيث تركت الأب والجميع خلفها. الأب يستند على ذراع زوجته التي تحاول أن تخفي دموعها بنظارتها الكبيرة التي تكاد تخفي وجهها، الألم شديد على وجهه، تنزلق قدمه ويكاد يقع في أحد السلالم، يهرع الولدان لسنده، تسرع الابنة إلى سيارة الإسعاف خارج المنزل وتأتي منها بكرسي متحرك، فور وصول الأب للدور الأرضي يجلس على الكرسي المتحرك بينما يشيح بوجهه, يدفعه عامل الإسعاف، يرفعانه في الإسعاف، يساعدانه على مغادرة الكرسي المتحرك لينام على فراش الإسعاف، تدخل الزوجة بينما الأبناء واقفون أمام الإسعاف، يقول الأخ الكبير: هنمشي وراكم، تومئ الزوجة برأسها بينما يغلق العامل باب الإسعاف ليتوارى الأب عن الأنظار. الأب مسجى على السرير في غرفة الطوارئ، الأبناء جميعا في غرفة الانتظار، تخرج الزوجة و تقول: لسه الدكاترة مش سامحين بالزيارة. أنا قلقانة عليه أوي تقول إحدى البنات، ترد الزوجة: إن شاء الله كل خير، تجهش أخرى بالبكاء أنا السبب، الأب اللي إداني كل حاجة ما ادهوش إلا وجع القلب...سامحني يابابا سامحني ويشتد بكاؤها، تربت الزوجة على كتفها وهي تقول: ما تقلقيش مش إنت السبب 18 يوم في الميدان في السن ده هما السبب. تزيح الابنة الستارة المؤدية لغرفة الحالات الحرجة، تجد الأب أمامها نائما في الفراش: صباح الخير يابابا. صباح الخير. ممكن أبوسك؟ بلاش علشان الخراطيم. إنت كويس طيب؟ الحمد الله، ويغمض عينيه وهو يشيح بوجهه. تغادر الابنة الغرفة، وتخرج وهي تبكي وترتمي في أحضان أخيها الأكبر في غرفة الانتظار وهي تقول: مش هيسامحني أبدا... ، يرد أخوها: اجمدي امال بلاش شغل العيال ده، أبوكي أقوى من إنه يتعب عشان ما سمعتيش كلامه، وهو من الآخر كان في الميدان برضه، بينصحك ما تنزليش وهو متأكد إنك هتنزلي.. تجهش بالبكاء. أبوكم لازم يسافر بره. ليه ؟ الأسترة أثبتت إن فيه حاجة لعملية قلب مفتوح، وحالته أعقد من إنهم يعملوها في مصر. طب وهو عايز إيه؟ هو مش عايز يسافر، بيقول القرشين دول بتوعكم، رد الابن الأكبر إيه الكلام ده؟ ديه فلوسه ولو ما رحتش في العملية يبقى قلتها أحسن، ردت الزوجة: هتكلمه؟، رد الأخ الأكبر: هنكلمه كلنا، دخل الأولاد الغرفة بإذن خاص من الطبيب حيث تمنع المستشفى أكثر من زائر في نفس الوقت، بينما انتظرت الزوجة خارجا، بعد قليل عاد الأولاد، سألت الزوجة: اتفقتم على إيه؟ اتفقنا إن اللي الأطباء هينصحه بيه هيتعمل حتى لو على القمر، لاحت شبه ابتسامة على وجه الزوجة وهي تهمس: ربنا يبارك لكم...ويبارك في أبوكم. السفر بكره إن شاء الله قالت الزوجة، سأل الابن الكبير: هترجعوا البيت قبل السفر؟ لأ هنطلع من المستشفى على المطار. طيب في أي ترتيبات محتاجنها؟ لأ بس عايزه حد منكم بعد ساعتين هنا لحد ما روح البيت أحضر الشنط . دي ساهلة...تحبي حد يوصلك، تومئ أن نعم للابن الأكبر، تدخل لإحضار حقيبة اليد من غرفة العناية المركزة، يأخذها الأخ الأكبر ويختفيان عن الأنظار المتعلقة بهما في غرفة الانتظار. وقف الابن بالسيارة أمام مدخل المنزل، أطلق الزمارة عدة مرات، جاء البواب مسرعا وفتح الباب، نزلت الزوجة واتجهت لباب العمارة بينما دخل الابن الجراج ليركن، صعدت الزوجة السلالم، اتجهت سريعا لغرفة النوم والابن الأكبر في أثرها: هاتلي رجاء الشنطتين اللي في غرفة ننّا، يأتي بالحقائب كما طلبت منه، يفتحهما على الفراش، تفتح الزوجة الدولابين المتجاورين، تلقي في كل حقيبة بما تطالها يدها من الدولابين، تمسك يدها بروب الأب الكحلي القطني المطبق، ترفعه لأنفها وتستنشق عبيره وتضمه في سكون لأقل من ثانية، ثم تضعه في الحقيبة: مصحفه وسبحته الخشب بره هتهملي رجاء، يسرع الابن استجابة لطلب الزوجة، تأخذهما منه وتضعهما على وجه حقيبة الأب وتغلق الحقيبة بينما الابن الأكبر يغلق الحقيبة الأخرى، تقول للابن : هاخد دش وننزل، تفضل الشنط معاك في العربية لحد معاد السفر، يومئ الابن أن نعم، ينتظرها في السيارة وهي تتجه ناحيته كان يسيرا عليه أن يرى آثار البكاء على عينيها. تقف سيارة الإسعاف المسرعة أمام صالة السفر رقم واحد في المطار، تتبعها سيارة أخرى، تقف هي أيضا، ينزل أحد عمال الإسعاف، يفتح الباب، ينزل كرسي متحرك، يسند الابن أباه ويساعده على الجلوس في الكرسي، ينزل أحد الأبناء الآخرين الحقائب من السيارة الأخرى، يقبل كل واحد من الأبناء يد الأب، يقول الأب وهو يتجنب النظر في عيون أي منهم : خلوا بالكم من بعض، تدفع زوجته الكرسي ويتجهان لبوابة الدخول، التي يغلق بابها الإلكتروني فور عبور الزوجة والأب له.

حاجز أمني....

قبل القصة "وطى التلفزيون يا وفرة" "ماما... هو واطي أصلا" "واطئ ازاي وأنا سامعة الفض في الصالة زي ما يكون الجيش والشرطة قاعدين معانا..." "حاضر حاضر" "عايزة أقرأ لهم قرآن ربنا يلطف بيهم" جاء ولدها بهدوئه المعتاد متسائلا: "يلطف بيهم من إيه هما هيعملولهم إيه؟" ردت عليه" يا حبيبي ربنا بيقول أن الملوك إذا دخلوا قريه أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون... وملوك الزمن ده اللي شايلين سلاح...ربنا يلطف..." "وفرة... وطي الصوت شوية"... "ماما إلحقي عمارتنا في التلفزيون..." قفزت لغرفة الجلوس لتشاهد اشتباكات بالفعل تحت منزلهم. قالت لها ابنتها "شوفتي الصوت كان واطي أصلا... ده الشارع". توجهوا جميعا بسرعة إلى شباك المنزل الرئيسي ليجدوا اشتباكات كثيرة تحت المنزل بين شباب صغير ومدرعات جيش وشرطة والبوابين جميعا أمام عمائرهم... مشهد رهيب، الشباب يخلع طوب الأرصفة ويكسرهما لأجزاء صغيرة ويتم كل شيء بسرعة كبيرة والمدرعات تقف عن بعد يطلق جنودها الغاز المسيل للدموع، بينما يأخذ البعض وضع الاستعداد لإطلاق النار...من بنادق وأسلحة غريبة لم تشاهدها من قبل أطلقت وهم وقوف فخرج منها ما يشبه كرات اللهب... صرخت في أولادها "علي جوة بسرعة البلكونة متقفلة خشب... يدخل منه الرصاص بسهولة" طلبت زوجها علي المحمول لا يرد كان قد غادر سريعا متوجها لرابعة عندما أيقظته علي الفض... الأولاد متسمرين أمام التلفاز وهو ينقل على الهواء ما يحدث تحت عمارتهم... طرقات متوالية علي الباب... البواب قمر يؤكد أن جموع من الشباب الهارب يريد الإحتماء في الجراج ردت عليه بعجاله "طبعا أمال تسيبهم يذبحوا زي الفراخ" “بس بقية السكان... " لم تدعه يكمل جملته أغلقت الباب في وجهه عند سماعها صوت انفجار قوي في الشارع اهتزت له العمارة... توجهت إلى الشباك الرئيسي المطل على البطل أحمد عبد العزيز، وجدت سيارة أمام المنزل المقابل وقد تحولت إلى كتلة من النار بفعل الإشتباكات... مرة أخري حأولت تطلب زوجها لا يرد، في ثانية لاحقة طلبها، قالت" تعال فورا الإشتباكات عندنا رهيبة.." "جاي حالا...معرفتش أخش رابعة كل الطرق مغلقة" "أحسن...حتي لو دخلت...دول ملوك هيفسدوها هيفسدوها" "أنا في السكة...إيه صوت الرصاص ده هو في ضرب نار..." "أيوة تعال فورا" "إبعدي الولاد عن التقفيلة الخشب بتاعة البلكون بالذات وفرة فضوليه وهتبقي عايزة تعرف بيحصل إيه" "حاضر بس أرجوك فورا لأن فيه حاجات هنحتاجلك فيها" لم ترغب في أن تقول له في الهاتف أن هناك من يحأول أن يحتمي بالعمارة. دخلت لتتفقد الأولاد وجدتهم يطلون برؤوسهم من الشباك البعيد الذي أيضا يطل على البطل أحمد، صرخت فيهم "ابعدوا... مش قلنا فيه رصاص" جرت ابنتها عليها واحتضنتها وهي تقول "دول بيقتلوهم يا ماما... بيقتلوهم" ضمتها بشدة بينما ولدها يقول بفزع "هو ده الضرب في المليان؟؟" "أيوة يا ولاد...أيوة... أدعوا ربنا يلطف بينا وببلدنا"... القصة (1) استيقظت قبل زوجها، خرجت بهدوء من الغرفة، توجهت إلى الحمام. فتحت باب الحمام وتوجهت إلى المطبخ. وضعت الماء في الكنكة وأضافت القهوة، شعرت بزوجها خلفها، تقدمت نحوة واحتضنته وقالت " صباح الخير" رد وهو يضمها بقوة " صباح الفل" وأضاف البيت ميت من غير العيال...حكاية إنهم يباتوا عند أبوكي كل جمعة ديه مش نافعة" ابتسمت بينما تصب القهوة. بينما يغادران المطبخ فتح باب الشقة أخذ الجرائد وتوجه إلى الشرفة حيث يجلسان يواجهان شارع البطل أحمد عبد العزيز كل يوم وهما يشربان القهوة. جلست هي بينما فتح هو الشبابيك، سمعت صوتا قويا، نظرا من الشباك، كان عسكري الجيش يجر الدكة الخشبية المزينة بالحديد المشغول التي كانت قريبا في الجزيرة التي تتوسط شارع جامعة الدول العربية لتتحول بعد انتزاعها منذ أيام قليلة إلى جزء أساسي في الحاجز الأمني الذي يُنصب كل جمعه في بداية شارع البطل احمد عبد العزيز. جر الجندي الدكة وجر زميله الدكة الأخري إلى طرفي الطريق وأوصلا طرفي السلك الشائك في كل منهما. تراجع الجنديان إلى منتصف السلك الشائك، اعتدلا في وقفتهما ورفعا بندقيتيهما علي كتفيهما ووقفا في مواجهة أحدهما الآخر، كل منهما علي طرف من أطراف الجزيرة التي تتوسط شارع البطل احمد عبد العزيز. بدأ طابور المارة في العبور يقف كل شخص يخرج بطاقته الشخصية للجندي بينما الجندي الآخر يفتش الكيس أو الحقيبة التي يحملها. بعض الناس يقبلون العسكري والبعض يطئطئ رأسه ويسير مبتعدا والبعض الآخر يقف ليلتقط صورة له مع الجنود، الجنود لا تتململ وتقف بفخر. وقفا يراقبان المشهد لبرهة من الشباك، ثم جلس كل في كرسيه، وبدءا يرتشفان القهوة. (2) سال ولدها " هو مش النهاردة السبت؟؟ الشارع مقفول لسه ليه؟" ردت "معرفش" وابتعدت عنه مخافة المزيد من الأسئلة. توجه ولدها للشباك مراقبا الحاجز الأمني. وقف يراقب في صمت مده طويلة ثم توجه إليها في المطبخ وبدأ يسأل: "هما بيشوفوا البطاقة ليه" "هما ليه بيفتشوا الأكياس والحقائب" "هما ليه مكشرين علطول" لم يكن ينتظر الإجابة فقط تندفع الأسئلة من فمه كالطلقات "هو ليه اللي مش معلق بندقية بيزق لورا اللي ماسك بندقية لما بييجي يكلم حد من الناس" استمرت هي في تحضير الفطور وهي تستمع لأسئلته في صمت، قاطعه دخول أخته إلى المطبخ فصرخ "تعالى تعالى معايا ...النهاردة الشارع مقفول تعالى تتفرجي علي العساكر..." ردت "لا خايفة من الرصاص..." رد "لا مافيش ضرب النهاردة..." توجها معا إلى الشرفة لمراقبة الموقف في الشارع... أعدت هي السفرة وتوجهت لغرفة النوم لإيقاظ زوجها، احتضنها بينما توقظه وقال "كسلان.." قالت "البيض هيبرد" قام متثاقلا بينما سبقته هي وندهت الأولاد. بمجرد جلوس الصغيرة قالت" شفت اللي حصل يا بابا، الشارع مقفول انهارده فيه دبابتين، وفيه واحد كان معدي الجيش قلعوا التي شيرت لقوه لابس تي شيرت رابعة تحته، ضربوه ضرب رهيب يا بابا، زي يوم ما لقينا الحرامي في المنور وضربه البوابين. مقعدينه دلوقت في الجزيرة اللي في النص وبيخلوا كل واحد من العساكر يضربه علي قفاه...في الغالب يا بابا أنا مش هعرف أنام النهاردة إلا معاكم..." ساد الصمت... قطعه الأب "والولد ده فين..." ردت الصغيرة "لسة في الجزيرة اللي في النص رابطين إيديه ورا ظهرة تعالى نشوفه" رد الأب "بعدين..." (3) ارتفع صوت السيدة "مش معقول أنا ست كبيرة ما تعدوني ماأنا الاسبوع اللي فات عديت" رد الجندي في تجهم "التعليمات كده... يلا يا حاجة لفي من الشارع الجي يمين" "طب يا بني كنت شايفني نازلة من التاكسي ما قلتش ليه كان وصلني" بدا يضيق بها ذرعا فرد في تأفف "وأنا هشم علي ظهر إيدي ما يمكن طالعة عمارة من العماير ديه" "حرام عليك يا إبني" جاء الضابط متدخلا وشاخطا "ديه التعليمات محدش يقدر يعديكي يا حاجة..." انصرفت وهي تقول "والله حرام عليكم حرام عليكم منكم لله لا حول ولا قوة إلا بالله..." انصرف معها رهط كان يقف بجوارها منتظرا نتيجة التفاوض...بينهم شاب صغير السن ضعيف البينة يرتدي تي شيرت وردي اللون عليه كتابة بالإنجليزية...ويمسك في يده سيجارة يحركها بعصبية... بينما يبتعد الصبي الصغير عن الحاجز الأمني سيرا على قدميه... يلتفت بين الحين والآخر ...وينظر بتوجس للعساكر وفجأة يقف في منتصف الشارع صارخا "رابعة...رابعة" ثم زاد قبل أن يدرك أحد ما الذي يحدث "بتضايقك رابعة طب رابعة رابعة رابعة..." هب العسكري من مكانه وهو يصرخ "يا إبن الكلب" بينما بدا يركض خلفه قفز الولد علي دراجة بخارية تقف علي جانب الطريق عليها ولد آخر في مثل سنه يرتدي الجينز وتي شيرت أخضر ويرفع شعره بالجيل في منتصف رأسه كعرف الديك وانطلقا سريعا بدراجتهما هروبا، وبينما ينطلقان بدراجتهما البخارية يصرخ من يرتدي التي شيرت الوردي بهستيريا في مكرفون صغير يمسكه "رابعة رابعة... بتغيظك رابعة... طب رابعة رابعة" بدا الصوت في التلاشي التدريجي بينما يبتعد الولد بدراجته البخارية وهو وزميله يضحكان بهستيريا...لم يستطع الجندي الذي ركض وراءه اللحاق به، عاد سائرا بخطوات غاضبة. اختفي الصوت تماما...وصل الجندي للحاجز عبر السلك الشائك ووقف إنتباه أمام زميله الأخر، بينما أمسك الضابط الذي قام من مكانه على الضجة باللاسلكي مخاطبا حاجزا أمنيا آخر، أنهي الكلام في اللاسلكي، ثم ربت علي كتف الجندي قائلا "ما تخافش الحاجز الجاي هيمسكوهم ومش هيرحموهم". (4) وضعت فنجان القهوة علي الطاولة والتفتت لإبنتها التي تقف أمامها، "ممكن أقعد علي حجرك"، أخذتها في حضنها جلست الإبنة علي حجرها وفتحت جهاز الآي باد وأخذت تُري أمها علي الىوتيوب أغاني مغني ديزني الشهير " روس لينش" بينما هما منهمكتان وزوجها يقرأ سورة الكهف، علا صوت شخص في الشارع صارخا " نفس القرف بتاع كل يوم جمعة"، "نفس القرف نفس القرف". قاما من علي الكرسي ووقفا يشاهدان ما يحدث انضم زوجها وإبنها لهما وجدا رجلا عجوزا يتقدم من الحاجز الأمني يحمل حقيبة علي طريقة البوسطجي طويل القامة نحيف البنية، صرخ الجندي في وجهه "حد عملك حاجة يا عم" "أيوة قرف كل يوم جمعه إيييه في إيه" جاء جندي آخر من وراء المدرعة صارخا " إيه إيه اللي مش عجبك ده شعب أناني ما بيفكروش في البلد" رد الرجل العجوز بحدة "سايبنلكوا البلد يا خويا اشبعوا بيها" دفعه الجندي الذي انضم للمشهد بعنف في صدره وقع الرجل علي الأرض، هتفت من دون شعور "حرام عليكم حرام عليكم" قبل أن تدرك وجدت زوجها يدفعها إلى الوراء ويغلق الشباك بقوة " إنت اتجننت...دول ما بيفكروش مش عارفة ممكن يعملوا إيه" " آسفة آسفة...مش شايف بيعملوا إيه في الراجل". وقفوا من وراء الزجاج يراقبون المشهد، وجدا الضباط يرفعون رؤسهم يبحثون عن مصدر الصوت بينما الرجل الملقي علي الأرض يصرخ "منكم لله منكم لله..." بينما يحاول أن يقوم اشتبك الجنديان مع بعض يدفع أحدهما الآخر إلى الخلف ولا يردد إلا كلمة واحدة "إبعد...إبعد" بالفعل يبتعد الجندي الذي دفع العجوز في صدره إلى المدرعة بينما يقف الآخر معتذرا إلى العجوز، الذي يستمر في البرطمة وإظهار الغضب. يبتعد العجوز باتجاه شارع جامعة الدول العربية، يبتعدوا هم عن الشباك، ويبتعد الجندي عن السلك الشائك ببطئ وبخطي متثقالة، يصل للرصيف، يجلس عليه، يشعل سيجارة، ويضع يده علي رأسه بينما يدخن ببطيء وينفث دخان السيجارة في عنف. (5) "مين اللي بيضرب الجرس الصبح بدري يوم الجمعة" استيقظت، فتحت لتجد جارتها آمال تطلب منها الأعلام التي كانوا يستخدمونها في المظاهرات لإعطائها للجيش علي الحاجز الأمني لأن الأعلام التي يضعونها مهترئة، اعتذرت وأغلقت الباب. عرجت علي المطبخ وضعت القهوة علي النار، استخدمت البن الجديد الذي أهداها أبوها إياه من لبنان. استيقظ زوجها دخل المطبخ وهو يقول "مين كان علي الباب" ردت قائلة " آمال عايزة أعلام عشان اللي عند الجيش متقطعة" قال بسرعة "وعلي الله تكوني إدتيها" ردت " عبيطة أنا". أخذا القهوة واتخذا مكانهما بجوار الشباك بينما تفتح الأهرام قال زوجها "البيت ساكت من غير العيال حكاية إنهم يباتوا برة ديه مش عجباني" ابتسمت وسكتت. سمعا أصوات المناقشات المعتادة يوم الجمعة، اشرأبا بأعناقهما لرؤية الطريق، الحاجز المعتاد، الجنود أنفسهم، الناس تجادل ضد تفتيش الحقائب وضد رؤية البطاقة أو الرقم القومي، عادا بنظرهما هو إلى مصحفه وهي إلى الأهرام. بعد قليل ارتفع صوت الأدعية والأذكار من المساجد المجاورة منبئة باقتراب صلاة الجمعة، أغلق زوجها مصحفه ورفع النظارة قائلا "إيه ده هو مصطفي محمود رجع اشتغل، الصوت واصل بوضوح" هزت رأسها بتعجب واستمرت في تصفح الأهرام. قام وهو يقول " هلبس وانزل أصلي أرجع تكوني جاهزة عشان نروح مشوارنا...ولو إني بأكد أن المرحلة ديه مرحله الرجالة". ألقي عليها السلام قبل أن يغادر، أنهت قراءة الجريدة، وضعتها جانبا وقامت. ارتدت حذاء رياضيا، وملابس قطنية مريحة، وحملت حقيبة صغيرة وضعت فيها فقط البطاقة والمحمول. وقفت أمام النافذة تابعت مشهد مرور المواطنين عبر الحاجز الأمني رن الهاتف رأت اسم زوجها لم ترد، توجهت إلى الباب، ألقت نظرة أخيرة علي المنزل وغادرت. نزلت إلى زوجها، وقفت معه في طابور عبور الحاجز الأمني استوقفه الجندي طلب منه البطاقة أخرجها له سأله الجندي " رايح فين" تساءل زوجها بثقة "نعم" فوجئ الجندي بالثقة التي رد بها، عاد ببصره مدققا النظر في الرقم القومي مرة أخري وقال " اتفضل يا باشا" همت بإخراج الرقم القومي الخاص بها، بادرهاالجندي " مش تبع الباشا" "أيوة" "اتفضلي". عبرا إلى شارع جامعة الدول العربية، وصلا سيرا إلى كوبري ١٥ مايو صعداه ونزلا عند ساقية الصاوي، حيث تجمعت أعدادا كبيرة من المتظاهرين، انضما لهم، وأخرجت من الجاكيت علم ربعاوي أخذت تلوح به عاليا بينم انضما بالهتاف للمتظاهرين "عسكر يحكم يحكم ليه هو معسكر ولا إيه" هتفوا للشقق التي انضمت إليهم " مصر يا أم ولادك أهم" و "المصريين أهما" "الجيش بتاعنا والسيسي مش تباعنا" تحركت المسيرة لتصعد الكوبري صرخ البعض الكوبري لا الكوبري لا هنكون هدف سهل" لم تستمع الجموع وصعدت المظاهرة من منزل السيارات المجاور لسقاية الصاوي، صعدا مع الجموع، وعندما وصلت المظاهرة لسطح الكوبري سمعت صوت سقوط شيء علي الأرض اتفتت ورائها وأدركت بعد لحظات ما يحدث صرخت "شهيد شهيد" وصرخ آخر "قناص قناص" لم تشعر إلا ويد زوجها تمسك يدها وتجرها جرا وركضا علي منزل الكوبري من الزمالك باتجاه النادي الأهلي، لم تشعر كم استغرقتهم المسافة وقفا يلتقطان أنفاسهم بجوار عمارة البي بي سي علي النيل، احتضنها زوجها بقوة وأخذ يقبل رأسها بفزع، خرج صاحب الكشك متوجها لزوجها بالحديث "شقة يا بيه" صرخ فيه زوجها " يا وسخ غور من وشي..." ابتعدا سريعا عن المكان وقفا ينظران ما حل بالمظاهرة علي الكوبري، وجدا من يقفز في النيل ومن ينزل علي حبل امتد من الكوبري لأسفل الطريق لا يعرفان من اين أتي به المتظاهرون، ومازالا يشاهدان بريق الطلقات من أعلي عمارات الزمالك وإن لم يتمكنا من رؤية من القناص. ابتعدا سيرا، إستغرقت في بكاء صامت، سألها "مالك..خلصت خلاص ربنا ستر" ردت " وقع مني علم الربعاوية وإحنا بنجري دلوقت يداس عليه" ضحك وقال" هو ده اللي همك لا ما تقلقيش حد أكيد هياخدو". يمسك يدها بقوة، يعبرا من الزمالك للمهندسين عبر كوبري أكتوبر، ينزلا نزلة البطل أحمد عبد العزيز سيرا... تؤلمها يدها من قوة قبضته عليها... ترفع رأسها إليه تهم بقول شئ ، ينظر إليها مستفهما، تبتسم بدفئ ولا تقول شيئا. بينما يقتربان من الحاجز الأمني المقابل لمنزلهما تري بوضوح علما جديدا بدل العلم القديم الممزق، من القماش الساتان المباع علي الأرصفة، الأعلام التي لا يوجد في منتصفها نسر، يرفرف علي المدرعة. (6) "صباح الفل كل سنة وإنت طيبة" "وإنت طيب يا حبيبي نازل الصلاة" "أيوة باذن الله بس هعدي على بابا الأول، هحأول أقنعه ما ينزلش، خايف عليه، الشارع عبارة عن معسكر كبير وخايف حد إبن كلب يعمل له حاجة ولا يقوله يا بتاع التعديلات الدستورية والقرف بتاع كل خروجه ده" "أُمال فين تكبيرات العيد؟؟ عادة بنصحي عليها" "جامع محمود كان مقفول إمبارح" تقوم تتكئ علي يده، تضغط عليها بشدة، يضحك ويقبلها. يتجهان لغرفة أولادهم، يوقظوهم. يتجه الصغير مع أبوه للصلاة، يقول وهو مغادر "هندور علي أي جامع وهنقابلكم بعد ما نخلص في مصر القديمة عشان الدبح" تدور في دورات ترتيب سريعة للمنزل، تحث الصغيرة علي الإسراع بينما تعد قهوتها. تأخذ القهوة وتتجه إلى الشباك، تنظر، عربيات الجيش ضعف عددها المعتاد معهم أناس بزي مدني علي الحاجز، فرق من المواطنين تأتي تريد العبور إلى جامع محمود الذي يؤكد لهم الجنود أنه مغلق، يتذمر الجميع ويغادرون. تجلس ممسكة بالجريدة وتصرخ علي إبنتها أن تسرع لأن خالها سيمر في أي لحظة، لا ترد الإبنة. ترشف القهوة، تتأمل الفنجان، مكتوب عليه باللغة العربية الله اكبر، وتكمل التطلع إلى الطريق، سيارات تأتي وينزل منها الركاب يتوجهون إلى الحاجز، يردد الجنود نفس الكلام، ويقف الجميع علي الحاجز بشكل مختلف سواء من يرتدي الزي العسكري أم من يرتدي الزي المدني حيث لا يضعون بنادقهم علي أكتافهم كما يفعلون يوميا وإنما يعقدون أيديهم خلف ظهورهم ولا يحركونها بتاتا وهم يتحدثون مع المواطنين، يطلق المواطنون السباب تبرما لعدم السماح لهم بالعبور، يهم البعض بالعودة إلى سياراتهم، وفجأة ينظرون لبعضهم البعض مع قدوم البعض الآخرمترجلا، ويتوجه الجميع إلى الحاجز الأمني ويعبرون السلك الشائك وسط صراخ الجنود الذين لم يملكوا سوي الصراخ، ومع ظهور المزيد والمزيد من المواطنين ممن تعالت هتافاتهم بتكبيرات العيد وهم يعبرون السلك الشائك، جاء الضابط من مكانه علي ناصية شارع مصطفي محمود وأزاح السلك الشائك قائلا للجنود "سيبوهم دول رايحين يصلوا" في لحظة تحول المشهد إلى مواطنين يحتضنون الجنود وهم يعبرون الحاجز مهللين ومكبرين. أفاقت علي يد إبنتها تربت بخفه علي كتفها قائلة "ماما أنا جاهزة وخالو تحت ضرب علينا الإنتركم" استدارت نظرت للوجه الصبوح، إبتسمت واحتضنتها. بينما تغلقان الباب خلفهما ترامت إلى مسامعهما تكبيرات العيد المتعالية من جامع محمود. (7) "ملاحظة إنه من تاني يوم العيد محدش لا بيفتش شنط ولا بيسأل علي بطاقات بس بيبوصلهم كده بتمحيص؟؟" "أيوة صحيح، القهوة بردت، أعمل جديدة؟" “لا سخني لي بتاعتي في الميكروويف" "حرام تبقي بايخة" “لا حرام أرميها" انصرفت وقد عزمت أن تعمل له قهوة جديدة، لا تحب قلة المزاج. وضعت القهوة علي الصينية وبجوار كل فنجان تمرة من التمر الذي أهداه أبوها لإبنها أول يوم العيد. ناداها زوجها أن تاتي سريعا، وجدته واقفاً علي الشباك، وضعت الصينية علي الطاولة، قال "بصي" مشيرا برأسه إلى الشارع، نظرت وجدت مجموعة من الفتيات ممن يرتدين ملابس فاضحة تعبرن الحاجز الأمني وبينما ترفع إحداهن ساقها متجنبة السلك الشائك تنحسر التنورة التي ترتديها كاشفة عن ساق أبيض مرمري، يُسقط الجندي الواقف بندقيته أرضا، وينحني ليأتي بها وبينما يرتفع يمر بنظره علي الجسد الواقف أمامه ببطئ، تضحك الفتاه ضحكة خليعة وهي تقول " كل سنة وانت طيب يا دفعة" تضحك الفتيات الأخريات ويتوجهن إلى شارع جامعة الدول العربية بينما كل الجنود علي السلك الشائك يتابعوهم بعيونهم تاركين من يريد العبور دون تمحيص ولا أي إجراء آخر، حتي اختفين تماما في شارع جامعة الدول العربية، تنهد أحد الجنود وضرب برجله الارض وهو يقول " يا بوووي"، الضابط الجالس علي ناصية جامع محمود حول رأسه إلى الاتجاه الآخر واستمر في التأرجح علي الكرسي الخرزان الذي يجلس عليه. جلسا بينما زوجها يقول " خلصنا الدبح والصلاة والعزومات وهيبدأ الشقط". ابتسمت وهي تشير برأسها للأولاد القادمين كي لا يتابع حديثه. بينما يرشف القهوة قال " شوفتي باه لما بتتسخن في الميكروويف بتبقي حلوة ازاي". ابتسمت ومدت يدها لتمسك بيده بينما تضع ساق علي الاخري و تهزها في تؤدة. (8) صرخت في ولدها " بطل كل ما تعدي تلخبط السجادة، مش معقول طول ما أنا قاعدة برتب وأنظف". رد راكضا " آسفين يا حاجة". جاء زوجها حاملا كوبي الشاي مستفهما "فيه إيه"؟ لم ترد وأخذت كباية الشاي. جلس صامتا. قطعت الصمت بعد قليل بقولها " الجو مغيم وكئيب". "أيوة" "طبعا هتقول ما فيش نزول النهاردة" "بصي علي الشارع بنفسك، وقوليلي هتنزلي إزاي في القرف ده" كان تحالف دعم الشرعية قد أعلن عن تظاهرات الشعب يسترد جيشه، ولسبب ما إحطاتت قوات الأمن بشكل أزيد من المعتاد وأغلقت الشارع بأكثر من حاجز أمني. لم ترد واستمرت في رشف الشاي بعصبية. جاء إبنها " آسف يا ماما" إحتضنها "هاخد بالى بعد كده". رن جرس الهاتف، ردت، حماتها تقول أنها أعدت لهم طعاما وتريدهم أن يعدوا عليها لأخذه. أغلقت الخط وقالت لزوجها الذي تبرم وقال " إزاي بس والشوارع كده". قال ولدها ننزل كلنا نتمشي شوية. قاموا جميعا، استعدوا وغادروا المنزل، نبه الأب علي الأولاد وهم علي السلم أن لا يتحدث أحد في السياسة مع الجنود أو أن يشير أحد بعلامة رابعة. وقفوا قبل عبور الحاجز في الطابور، يعبر قبلهم شاب يحمل الكثير من الجاكتات الجلد، يوقفه الجنود ويتضح أن محله في شارع سوريا وهو متجه لعرض هذه البضاعة فيه، يبدأ الجنود في اختيار بعض الجاكتات وقياسها، يتململ زوجها ويهمس "إحنا هنستني لما الفرقة كلها تقيس ولا إيه؟" جاء الضابط من مكانه المعتاد علي ناصية جامع محمود وأخذ البائع والجاكتات والجنود جميعا ماعدا واحدا إلى جانب الطريق وبدأت حفلة القياس لجميع الجاكتات. بينما يعبروا ضحك الجندي الذي ظل عند الحاجز مع زوجها وهو بشير إلى ولدهم وابنتهم متسائلا "هما الكباتن دول مع مين؟" لم يفهم ولدها ونظر لها... قالت "عمو بيهزر". بينما يبتعدون تساءل ولدها " الجيش ظريف يا ماما" ردت عليه " الجيش هيرجع بتاعنا يا حبيبي...خليك فاكر". عبروا باتجاه شارع الفريق عبد المنعم رياض. (9) "خلاص إتكتب عليا أنام وأصحي علي الولية الؤوءة أم كلثوم" فتح الشباك وصرخ "يا دفعة... يا دفعة الراديو مش عارفين ننام..." رد الدفعة "أم كلثوم ستهم وكيداهم كلهم..." أطل قمر البواب برأسه من تحت الشباك قائلا "عندي يا باشا عندي الموضوع ده" شكره وأغلق الشباك وهو يبرطم "ستهم ستهم!!! طبعا ما هو ما سمعش عن فيروز...آل ستهم آل..." استيقظوا فجرا للصلاة ليجد أم كلثوم تصدح...قبل أن يقفز إلى الشباك أمسكت بيده وقالت "مش طالبه خناق عيال مرمية في الشارع طول النهار خليها تسمع اللي تسمعه" "مش عارف انام..." "محنا نمنا وشبعنا نوم..." قاموا توضئوا وصلوا ثم عاودوا نومهم... قاموا صباحا علي طرقات البواب "صباح الخير يا فندم" "صباح أم كلثوم... يا قمر... خير" "ابتسم البواب وقال"العربيات بس لازم نشيلها من الشارع" "خيرا" "لا بس تعليمات الباشا الضابط" "أنه باشا فيهم الشرطة ولا الجيش" "الجيش يا باشا" "حاضر يا سيدي" هبد الباب وراء البواب بعد أن أعطاه مفتاح السيارة أعدت الافطار، فطروا جميعا. لحقتها الصغيرة إلى المطبخ وهي تلم السفرة وسألتها " بابا ماله" "هش...مضايق من الصبح" غادر مع إبنه لصلاة الجمعة وأمضت هي الصباح في التوضيب بينما ابنتها لا تترك من يدها كتابها عن قصة الصبي الذي صادق الذبابة. عاد زوجها توجه رأسا إلى غرفة النوم لينام. صنعت فنجان القهوة وتوجهت إلى الشباك مراقبة الشارع الهادي ومربع الحاجز الأمني أمام منزلهم، اليوم الوحيد الذي يوجد به حاجزان يمين البيت ويساره صانعا مربعا مغلقا أمام المنزل، تستمر محاولات الناس للعبور وتضييق الجنود عليهم. جاء ولدها، " ماما عايز ألعب في الشارع" "نعم...ده من إمتي" "أنتوا بتقولوا مش أمان بس دلوقت الجيش عامل مربع تحت البيت نلعب في المربع ده" إبتسمت وهي غير متخيلة أن ولدها يلعب في شارع البطل أحمد عبد العزيز انضمت ابنتها للمطالبة وجدت نفسها تقول "طيب خدوا السكوترز من العربية وانزلوا" نزلوا فعلا وهي تراقبهم من الشباك. يعبرون الرصيف قافزين بالسكوتر بينما يراقبهم الجنود بابتسامات يردها الأولاد بتردد. فجأة تحرك الضابط من مكانه علي الناصية وانضم للأولاد يراقبهم ويحدثهم وولدها يستعرض أمامه كل الحركات بالسكوتر وهي يقول له "شوفت ديه" "طب ديه"،بينما تنظر ابنتها في خجل للضابط وتتبادل معه كلمات لا تصل لمسمع الأم وتستمر في اللعب بهدوء بالسكوتر، شعرت بزوجها ورائها وهو يقول " يا انهار ابيض في الشارع... لا ده أنتوا اتجننتوا" فتح الشباك ونده الأولاد، لم يسمعها من غضبه وهي تقول " أنا مراقباهم". حياه الضابط بيده، رد التحية باقتضاب، طلع الأولاد وهم يقولون" ليه بس يابابا" "بس مش عايز غلبة..." بينما تدخل ابنتها لغرفة النوم همست لأمها " شفتي يا ماما الضابط أحمد..أمور أوي يا ماما وما نزلش رابعة... بس بيقول علينا البلاوي بتوع رابعة". نظرت خلفها لتري زوجها وهو يزغر لها بغضب. (10) "صباح الفل إيه اللي صحاك بدري" "ما سكين واحد هرينوا ضرب بتوع الجيش" "علي الصبح كده" "أيوة يا ستي يوم الجمعة ده يومهم...تلقيهم بيستنوه" "طيب غروش علي الموضوع عشان الولاد ما يحسوش" “خليهم يحسوا ويعرفوا بلدهم بتعمل إيه في الناس" "طيب هعمل قوة" "أنا شربت ومعلش الإيد إتحرقت علي الآخر، بس ممكن أشرب تاني" "فداك نبقي نركب إيد ألومنيوم، نبعتهم مع ممدوح ورشة العباسية" دخلت المطبخ، ألقت اليد الخشبية المحروقة في صندوق القمامة، ملأت الكنكة مياه ثم أضافت القهوة ووضعتها علي النار، انتقت فناجين عليها وجوه ضاحكة صبت فيها القهوة وأخذت الفناجين للخارج حيث جلستهم المطلة علي الشارع. تلقاها بابتسامة قائلا "ربنا يخليكي... يدوب أشرب الفنجان وأنزل للصلاة" "متتأخر شوية إنهاردة" "معلش مش هقدر عشان بابا جيله ضيوف ولازم نجهز الحاجة أنا هاخد الولاد كمان عشان يساعدونا في الشيل والحط" "طيب علي خير" ندهت أولادها ليغيروا ملابسهم ويشيلوا أطباق الافطار. المواطنون يحاولون عبور الحاجز الأمني ومازال التضييق العسكري مستمرا. نزل زوجها والأولاد، بينما تفتح تويتر وجدت تحالف دعم الشرعية بالدقي والمهندسين داعيا لتظاهرة بعد الصلاة في شارع جامعة الدول عند جاد، قررت أن تنزل، رغم تحذيرات زوجها لها بعد الفض أن لا تنزل وحدها أبدا لأن موقف الدولة تغير. قامت ارتدت ملابسها وكانت المشكلة أين تضع اشياء رابعة مع التفتيش المستمر، خطر لها خاطر، وضعت اشياء رابعة في كيس زبالة اسود، أحكمت إغلاقه والقته من شباك المنزل الخلفي المطل علي الشارع الخلفي. نزلت، أغلقت الباب، أعادت الضغط عليه للتأكد من إغلاقه. خرجت من باب العمارة، بادرها البواب " أعملك حاجة يا دكتورة" "شكرا يا قمر" توجهت إلى الحاجز الأمني أخرجت الرقم القومي، جاء دورها في طابور العبور سألها الجندي بغلظة " رايحة فين" "هشتري حاجات" "افتحي الشنطة". فتحت حقيبة يدها، نظر بداخلها ثم تركها تعبر. أسرعت الخطي إلى الشارع الخلفي، حيث ألقت الكيس، نظرت فلم تجده، فجأة ظهر قمر البواب وهو ممسك به " انا نطيط من علي السور شفت حضرتك وانتي بترميه قلت مش عادتكم ترموا الزبالة في الشارع...اتفضلي يا فندم بس ما تطلعيش الحاجة إلا وأنت في عرابي" "شكرا يا قمر" " تلفي من جزيرة العرب وتخرمي من جوا لأن قدام شوية في حاجز أمني...آجي مع حضرتك" " لا شكرا يا قمر خليك انت". تركته وهو يقفز مرة أخري من علي السور إلى داخل جراج العمارة، واتجهت هي إلى شارع جامعة الدول العربية. من جامعة الدول العربية إلى جزيرة العرب ثم إلى سوريا ومنه مرة أخري إلى جامعة الدول العربية، لم تظهر التجمعات بعد، أخذت تنتقل بين المحلات التي علي ناصية شهاب أمام جاد. يبدو الحاجز الأمني جليا في جامعة الدول العربية من شارع سوريا إلى جامع محمود، مجموعة من المدراعات يفصلها عن بعضها البعض السلك الشائك ويجلس علي كل مدرعة مجند واحد، أحد المجندين يضع قناعا أسودا علي وجهه. أخيرا ظهرت المظاهرة قادمة من شارع السودان، في تلك اللحظة ظهرت سيدات كثر يشبهنها في سمتهم العام، وكأنهن جميعا اختبأن في مداخل العمارات في انتظار اللحظة، الكل يرفع شعار رابعة بشكل أو بآخر، تقدمت نحو المظاهرة التي وقفت بدورها أمام إحدي العمارات التي أطل سكانها علي الجموع بشعارات رابعة وهم يهتفون " المصريين أهمة، حيوا معانا الشقة دية" انضمت لهم وأخرجت أعلام رابعة والكاسكيت، وأخذت تهتف معهم، تاركة الكيس الأسود للهواء يحمله بعيدا، تحركت المظاهرة ببطئ حتي وصلت إلى جاد، وقفت هناك واستمر الهتاف وتبادل رفع الهتيفة علي الأكتاف، شعرت بالمحمول يرتج في حقيبتها، زوجها، ردت، قبل أن تقول أي كلمة بادرها قائلا " إنت عند جاد ولا أحمد عرابي" "عند جاد" " خليكي هناك أنا جايلك، بس لو المظاهرة راحت للحاجز ما تتحركيش معاهم خليكي عند جاد" " حاضر" حمدت ربنا أنه لم يصرخ فيها أو يعاتبها. تقدمت بالفعل المظاهرة إلى الحاجز شيئا فشيء وشاهدت العساكر علي المدرعات تأخذ وضع الاستعداد، شعرت برجات الهاتف مرة أخري، ردت" فيه مدرعة شرطة مليانة جنود متجه ليكم، اثبتي مكانك أنا عشر دقائق وهكون عندك"، بدا القلق يعتريها هي لا تنتمي لأحد ولا تعرف أحد في المظاهرة وأول مرة تنزل وحدها، بدأ بالفعل ضرب الغاز والشباب ثابت لا يتحرك فقط تراجع خفيف للخلف ليقترب الجمع مرة اخري من جاد، مع ظهور الشرطة المحلات كلها أغلقت أبوابها حتي جاد أنزل الأبواب للنصف. وجدت نفسها في وسط المظاهرة، غير قادرة علي التحرك لا يميناً ولا يسارا، صرخ صارخ "كله يوطي"، اخفضوا روؤسهم بالفعل لتجنب قنابل الغاز وهي تلقي عليهم وتسقط بينهم، رفعوا رؤوسهم، تمرر المناديل المبلولة للجميع، عيونها وحلقها يؤلمانها بشدة، تريد أن تغادر ولا تعرف كيف في هذا الهرج والمرج، تشعر بيد تمسك بكتفها وتجرها للوراء، تترك نفسها لليد التي تسحبها والصوت الذي ميزته فورا وهو يقول "إمشي بثبات في إتجاه شهاب"، بينما شعرت به يسحب العلم الذي كانت تضغط عليه بكفها بشدة ويأخذ الكاسكيت من علي رأسها، أدركت أنه سيلقي بهم جانبا لكي لا يميزوا من أحد، غير قادرة علي فتح عينيها سارت مغمضة العينين، متبنية طريقها بإرشاداته، "رصيف" "بلاعة" "عمود نور" بلغا منتصف شهاب ودخلا في شارع محل "التوحيد والنور" وعند الكشك الذي يبعد خطوات عن المحل اشتري زوجها زجاجة سفن آب فتحها وبدأ يصب في يده ويغسل بها عينيها وهو يسأل "أحسن...أحسن ...كده أحسن" بينما هي تومئ برأسها ورويدا بدأت تستطيع أن تري وتميز ما حولها. انتهت زجاجة السفن، قال صاحب الكشك لزوجها " اقعدوا في المطعم اللي علي الناصية، الشوارع ملغمة بس لابسين عادي". شكره زوجها، إتجها إلى المطعم الذي أشار الرجل إليه، جلست وزوجها يتجنب النظر تجاهها، سألته " الولاد عند طنط" " لا عند زياد شبطوا في ولاده" " إنت عرفت منين؟؟" "الكي جي بي اللي عندنا في العمارة قمر أفندي لما شاف الشرطة نزلت عند الحاجز الأمني عندنا طلبني وقالى، عملت نفسي عارف، أصلي مش هطلع دغف قدام البواب" قال كلماته الاخيرة وهو يضغط علي مخارج الحروف بغضب. طلبا شاي بنعناع، جاء في أكواب زجاجية مشغولة موضوعة في تلبيسات حديد قديمة لكن رقيقة، كوبها لونه احمر وهو كوبه أزرق، شربا في تؤدة، غطصت في الكرسي بينما وضعت رجل علي رجل، تهز قدمها وتفكر في الأولاد في المظاهرة، شجعان كالأسود، شعرت أن قلوبهم لا تعرف الخوف. بعد ساعة قررا أن يتحركا، "نظرت له وقالت" أنا آسفة...بس وحشني النزول أوي"...لم يرد، سلكا الدروب الداخلية بين شارع سورية وجزيرة العرب، عبرا حامعة الدول من عند بنك السي آي بي، وبينما يقتربان من الحاجز الأمني عند بيتهم قال "ما تتكلميش خالص أنا اللي هتكلم" سأله الجندي أين كان لم يجبه فقط أعطاه الرقم القومي بقرف ظاهر، نظر له الجندي وقد أربكه ثباته، ولم يأخذ حتي الرقم القومي منه، تركه يعبر ومع إمساكه ليدها أدرك أنها تبعه فلم يزد في الأسئلة، بينما يقتربان من منزلهما أمسك بيدها وهو يقول " أنا فاهم...والله فاهم بس واجبي احميكي" نظرت إلىه بعرفان، وصعدا سلالم المنزل بينما تتخلل أصابعه أصابعها. (11) سمعا صوت فرملة قوية أعقبه صوت سقوط جسم حديدي في الشارع. هرعت إلى الشباك وورائها أولادها. نظروا ليجدوا موتيسيكل واقع علي الأرض وما يبدوا أنهم ركابه الإثنين يركضان ووراءهم جمع من الناس أغلبهم من البوابين وصاحب كشك السيديهات وصاحب كشك الحلويات وكل يمسك في بده إما عصا خشبية أو عصي حديدية. قام أحدهم برمي عصاه علي الأرض ودفعها بقوة لتقع أمام أقدام الهاربين وتوقعهم أرضا. أمسك الجمع بتلابيب الهاربين أحدهما طويل بشكل غير معتاد، والآخر سمين وقصير جدا، الناس تضربهما و بصرخان " أنا مش حرامي والله ما سرقت حاجة" والناس تسبهم " يا مبرشمين يا ولاد الكلب يا ولاد ... حد يسرق يوم الجمعة والضباط واقفين" "والله ما سرقنا ده الولية كذابة" اقتربوا من السيارة الفيات التي تقف بجوارها سيدة تبكي وعندما شاهدتهم صرخت " أيوة مد إيده من الشباك معرفش كان عايز يخطف السلسلة شكله" وانخرطت في بكاء حاد، وصل ضابط الجيش أحمد، همست إبنتها " أهه الضابط أحمد اهه"وأصبح الجميع بالضبط تحت شباكهم، اعتدل البوابين ودق أحدهم عصاه علي الأرض وهو يقول للضابط أحمد " تمام يا فندم... المجرمين أهم" متقمصا شخصية أمين الشرطة، أدرك أن المجرم أطول من الضابط حيث يقف الجميع علي جزيرة الشارع، لكز الرجل اللص الطويل لينزل من علي الجزيرة إلى الشارع، لم تفهم إلا بعد أن رزع الضابط الرجل بالقلم علي وجهه وقد أصبح طايله، صرخت ابنتها" أنا مش عايزة أشوف أنا هدخل جوة" ودخلت تجري، بينما ناول الضابط أحمد الرجل قلما آخر علي وجهه وهو يقول له صارخا " بتعملها قدامنا يا كلب...مش مالىين عينك ياد..يا رمة...أنا هربيك" ركع الولد علي ركبه وهو يقول والله ما عملت حاجة يا باشا، أعتقني يا باشا" وكان واضحا من طريقته في الكلام ومخارج حروفه أنه مبرشم، سألها ولدها " هو بيكلم كده ليه يا ماما" شاورت له أن التزم الصمت، بينما التفت الضابط أحمد ليتحدث في اللاسلكي انهال الجمع ضربا وركلا في الرجلين القصير لا يتحدث أبدا والطويل يصرخ " برئ ما عملتش حاجة والله" " حرام عليكم". وصلت سيارة شرطة، رفع لها الجنود السلك الشائك، عبرت لتقف أمام منزلهم في الإتجاه الاخر، نزل ضابط وأمين شرطة ومجموعة من المخبرين ركض أمين الشرطة إلى ضابط الجيش الذي تجاهله وتوجه لضباط الشرطة تبادلا الكلام، بينما أخذ المخبرين الرجلين من الجمع الواقف، وأخذوا يضربوهم بقوة، تراجع المواطنون إلى الوراء وهم يراقبون المشهد. ما زالت السيدة تقف بجوار سيارتها، توجه لها الضابط، تبادلا بعض الجمل ثم ركبت سيارتها ادخلوا الرجلين السيارة البوكس، ورفعوا الموتوسيكل ووضعوه أيضا في البوكس. سلم ضابط الشرطة علي ضابط الجيش أحمد الذي بدا صغيرا أمام ضابط الشرطة المخضرم، وركب البوكس في مقعد السائق وهو يشد نفسه على الكرسي، و ركب مجند الشرطة السائق بجواره، وقاد البوكس محدثا صوتا قويا، بينما ارتفعت أصوات الناس " بالسلامة يا باشا...تسلم الأيادي يا باشا"، انطلقت السيدة في سيارتها الفيات الذي تترجرج خلف البوكس. توجه الضابط أحمد لكرسيه، علي ناصية شارع مصطفي محمود، يعدل ياقة الجاكيت ويشفط بطنه وهو يضبط حزام البنطلون، يسير ببطئ. بهدوء وتوتر تجلس علي الكرسي، يسأل إبنها "ماما إيه الضرب ده كله، ليه اللي بيعمل حاجة غلط ما يروحش القسم بالقانون، ليه الشتيمة والضرب ده كله...هو مش فيه قانون زي جدو ما بيقول؟؟" تنهدت...نظرت إليه... عيونه مشدوهه مفتوحة علي آخرهم...حضنته بقوة...ولم تجاوب... (12) "الأولاد بيوحشوني وهما عند أبوكي" "والله وأنا كمان بس مش هيلحقوا المعسكر بتاعهم بمواعدنا الصباحية ديه" "ليكي حق" رشفا رشفة من فنجان القهوة وهما ينظران من الشباك. قام زوجها أغلق المروحة وحاول فتح الشباك، ضغط علي المقبض طويلا حتي تمكن أخيرا من فتحه وهو يقول الجو حلو النهاردة، صوت رزعة الشباك كانت عالية جدا بحيث رفع الجنود رؤوسهم لأعلي لرؤية ما يحدث، بينما تواري زوجها جالسا. فتح المصحف لقراءة سورة الكهف، بينما هي تتصفح الجريدة. ترامي إلى مسامعهم صوت رجل يقول: "ينفع كده يا دفعة وأنت واقف" لم يسمعا ردا "ينفع كده كل جمعة يا دفعة" برهة صمت "ده إحنا حتي وقت الصلاة يا دفعة" برهة صمت "معقول كده" برهة صمت "لا حول ولا قوة الا الله" اعتراها الفضول فوقفت من وراء الضلفة المغلقة للشباك لتري ما يحدث. ندهت علي زوجها بهدوء "قوم شوف". قام واقفاً بجوارها. وجدا مجموعات من السيدات ذوات الملابس المفضوحة وهن يعبرن الحاجز الأمني وتبرز ملابسهن مهنتهن، يعبرن بثقة بينما يفتش الجندي الوحيد الواقف الحقائب الصغيرة جدا التي يحملنها عكس ما حدث في العيد من تجاهل تام لهن. تعالى مرة أخري صوت الرجل “يصح كده يا دفعة؟؟وإنت ساكت يا دفعة" همس زوجها "مين ده اللي عمال يغيظه" "مش عارفة يكون أمن العمارة؟؟" “مش ممكن الأمن يعمل كده" “طب وفين الضباط والعساكر النهاردة ليه سايبين واحد بس؟؟" “مش عارفة" لم يعد الدفعة يتحمل المزيد من تعليقات الرجل فصرخ قائلا: "خلاص خلصنا بأة" رد الرجل: “انا بكلم علي الأصول ما ينفعش كده والله، حتي ما يصحش" ثم زاد" أوبا أوبا إيه الصواريخ اللي جايه ديه" نظر الدفعة في اتجاهه بغضب بينما أوقف الفتيات لتفتيش الحقائب، وكن شبه عاريات ما عدا شال طويل يغطي من الأكتاف للأرداف، ولكن مع تحرك بسيط يكشف الشال عن الصدور العامرة المرفوعة و بينما ينبغي للدفعة أن يركز في الحقيبة المفتوحة إلا أن عيناه لا تغادران فتحات شيلان العابرات. بعد عبورهن يقول الرجل" أشطة يا دفعة شوفت يومين هنا برضه" لم يتمالك الدفعة نفسة قفز من فوق السلك الشائك في اتجاه الرجل الذي قفز بدوره علي دراجة بخارية وانطلق بها بسرعة البرق قبل أن يتمكن الدفعة من اللحاق به. بينما ينطلق الرجل يصرخ من بعيد "...كله بعلم الحكومة يابا يابا...وناسيبنا الحكومة يابا" مرددا كلمات مسرحية ريا وسكينة الشهيرة. انفجر زوجها ضاحكا وهو يقول " ديه لا إسلامية ولا عسكرية ديه بقت حاجة تانية خالص...ويبقي السؤال مين الراجل ده". ابتسمت ولم ترد. جلسا لإكمال القهوة، التي كانت باردة. (13) استيقظت متأخرة على صوت جرس الباب، نظرت من العين السحرية كان قمر البواب، تناولت طارحة الصلاة من على كرسي السفرة ولبستها، ثم فتحت الباب وهي تضبطها على رأسها "صباح الخير يا قمر...خيرا" "صباح الفل يا دكتورة...والنبي تكلميلي مدام آمال...زعلانة مني وما بتكلمنيش" "ليه عملتلها إيه يا قمر" "مش طايق يا دكتورة بعد ما موتوا الواد ضرب مش قادر أنزل لهم الوكل النهاردة" "وكل إيه" "اللي بتنزله مدام آمال، ثلاث وجبات على الله ليهم كل جمعة وبما أنهم النهارده لسة عندينا وما غادروش، جت تنزله النهاردة جلتلها لع" "ما كنتش أعرف إن آمال بتنزل أكل" "لا بتزل وحاجة ساقعة وشاي كمان...وهي ذات نفسيها بتنزل تقعد معاهم" "خلاص بالهنا والشفا يا سيدي...ومعلش اتك على نفسك بس ما تزعلش مدام آمال ديه حابيبتنا" "عم بتجولي الواد غلط...والله ما غلط ولا حاجة قالهم أنا أمن في العمارد دوكهه، قالها من هنا وفين يوجعك بالأقلام والضرب والصريخ لم الشارع كله عليهم، قام الضابط البيه أحمد اللي اسمالله عليها وفرة وسليم نزلوا يلعبوا وهو وقف معاهم، قالهم روحوا بيه ورا المدرعه، والعسكري اللي واقف عند السلك قالهم الناس بتصور من العمارات، قاموا دخلوه المدرعة والواد على صرخة واحده لحد ما سكت خالص" "حصله إيه يعني؟؟" "والله ما حد يعرف" "كان إمتي" "امبارح قبل ما تيجوا ...خمس دقايق قبل الحظر" "طب يا قمر معلش أنا هكلم مدام آمال بس إنت خد منها الأكل ونزله برضه ما يصحش تزعلها" "الله يخليكي يا دكتورة" "طب يا قمر مع السلامة" أغلقت الباب، دخلت المطبخ، فتحت علبة القهوة الستينلس ستيل، وأخذت منها ملعقة ونصف لكنكتها ومعلقتان لكنكة زوجها، بينما هما على النار ترامي لمسمعها من المنور ترتيل القرآن بصوت قمر البواب. صبت القهوة في فناجين زرقاء، وضعت فنجاني القهوة على الصينيه المنقوشة بالأزرق التي أحضرتها من الأردن، اتجهت إلى غرفة النوم. أغلقت نور الكوريدور قبل أن تدخل غرفة النوم، مالت على باب الحمام وأغلقته أيضا... تسللت بهدوء... وضعت الصينية على الكوميدينو... ومالت باتجاه زوجها لإيقاظه.... قبل أن تقول شي بادرها قائلا: "ريحة القهوة تحفة...يا جوزطيبك يا شاهين" إحتضنته بقوة وقبلته وهي تقول "صباح الفل" اعتدل في الفراش وسأل "الولاد نزلوا؟؟ معلش مقدرتش أصحي معاك الصبح، مدرسة بت كلب اللي تنزلهم السبت...خلاص التعليم في مصر مقطع بعضه...إن ما كناش واخدين عالميا آخر مرتبة في التعليم الإبتدائي" "ولا يهمك كله مشي كويس وأنا نزلتهم ورجعت نمت...بس الأوتوبيس عمل مناورات كتير عشان يوصل وأنا عدتهم الناحية التانية أصل رغم النهاردة السبت الشارع مقفول" "بتهزري" "والله" "ليه" "مش عارفة بس قمر بيقول قصة عجيبة"، روت له ما قال قمر. ترك موضوع ضرب الولد وكأنه أصبح من الأمور العادية و تعجب قائلا "أكل إيه إلى بتنزله، هي بتعاملهم إنهم حراسة وأمن ولا إيه، وبعدين دول لهم إعاشتهم الخاصة" "يعني إيه" "يعني فيه عربية بتمشي في أوقات الأكل توزع الوجبات" "عمري ما خدت بإلى" "لأنها شكلها عربية جيش عادية، اللي زي حالاتي اللي دخلوا الجيش بيعرفوها" "طب وإنت زعلان ليه ما إحنا كنا بنزل شوربة سخنة وخلافه في الثورة" "أيوة لمواطنين للجان شعبية مش للجيش..الجيش ما يخدش...ما ينفعش...أخلاقهم ما ينفعش تكون كده...مش عارف اشرحلك..." "ما علينا" "بدام جبتي القهوه هنا نشربها في السرير" "ما تاخدنيش في دوكة...إيه اللي أخرك أمبارح بعد ما وصلتنا" "رحنا جامعة الأزهر...شوفي... شفت بلطجية ما شفتهمش في حياتي..." "ربنا يلطف بيك وينجيك...الأخبار بقراها من الصبح على تويتر..." طبعت قبله على رأسه... أخذت فنجان القهوة الخاص بها ولفت إلى ناحيتها في السرير، وضعت فنجانها على الكومودينو، سحبت الغطاء عليها غطست في السرير... تناولت الريموت... وفتحت نشرة الأخبار...